قصائد للشاعر زكريا محمد
الذات كلبة، والآخر كلب مثلها، وهما يتناكحان في العتمة.
لكنني نجحت في أن أفصل ذاتي عني. وضعتها مثل جرو في علبة كرتون. وهي تخرج من فتحة العلبة كي تبول ثم تعود ثانية إلى العلبة.
الذات أخطر من المرآة في الليل. بل أخطر من كتب موسى الخمسة.
في زمن أبي كان الواحد وذاته يصعدان السلم ويقطفان الزيتون معاً.
كان الله والكون وحدة واحدة أيضاً. الذات طائر حبارى. ويجب نتف ريشه كلما نبت. لا يجوز ترك الذات تحوم مثل ريح الشمال بجناحيها. ولا يجوز التسامح مع الحجر حتى لا يصير وردة مستقبلا.
علجوم في الماء، وعلجوم في النار. والذات درب قصير يعبر بينهما.
كلما أغلقتُ بابا فُتحت عليّ عشرة أبواب غيره.
كلما أتيت بتشبيه ضيّعتُ في الطريق عشرة مثله. الذات كلبة، وقد فككتُ طوقها وأطلقتها نحو الحاجز كي يقتلها الإسرائيليون، الذين يقتلون كل ما يتحرك أمامهم.
***
الجرح كلمة غير مقبولة عندي. فيها رائحة عبادة للماضي. فامسح كلمة الجرح من قلبك. امسحها من قاموسك. الوردة أيضاً مخلوق من أرض الجراح اللعينة ذاتها، فاتركها وراءك. امسحها من على شفتك كأنك تمسح زجاجاً مغبراً.
الحب كذلك من نفس الأرض، أرض الجراح، ويجب أن يرمى. خلّكَ مع الجمع الصلب الذي لا يعترف بالجراح. وامش بالفضول وحده.
سيكون هذا، بالطبع، شيئاً قريباً من اليأس. لكن خذ مني: لا تخف من اليأس. فقد عرفت أناساً قطعوا باليأس وحده آلاف الأميال. وكانت وجوههم منيرة، وعقولهم حادة كالسكاكين.
كما رأيت فهوداً تقطع، بأعينها الزجاجية، سهوب السافانا الشاسعة، ولا تبكي على أي شيء، ولا تتذكر أي شيء سوى المستقبل، سوى الفريسة القادمة. اخبط بقدمك الكبيرة في الطين جرياً وراء فريستك القادمة.
فكل خيط يخرج من مغزل الجراح باطل. وكل قميص يحاك منه باطل. ليكن قلبك فارغاً إلا من الفريسة القادمة. وليكن الفضول هو الصقر الوحيد الذي يحلق فوق رأسك كأنه عمامتك.
***
الطيور تنام على أي غصن تسقط عليه، وأحلامها تدور حول الحشرات والثمار الحمراء. أما أنا فأنام على الصخرة، وأحلم بالحجارة.
تخيل أنك شرارة تائهة، وأن ليلك حبل غليظ، وأن سنّك ناب ماموث.
تخيل أن الصباح شحاذ نائم على عتبة بيتك، وأنك تدفعه بقدمك كي يصحو وتعبر، لكنه لا يصحو.
ليس هناك حلم مثل هذا الحلم. وليس هناك ثعالب بأذيال طويلة مثل هذا الثعلب.
تخيل أنك حصان وأنهم يطلقون النار في لَبّتك، ودمك يضرّج الأرض. قميصك يسبح مثل حوت في الدم، والموت تمرة عالية لا تصل إليها يدك.
التشابيه تتحول إلى كوارث بين يدي: القماش يصير حوتاً، والعصا ناب ماموث.
في الليلة القادمة سأنام في برج الحصن عند الفرسان السكارى. وفي الصباح سأضع، مثل نقّار خشبٍ، قنزعتي فوق رأسي، وأثقب جذع الشجرة بمنقاري. أنا نقار خشب والجذوع المثقوبة نافذتي. ثم لا أعرف ما الذي سيحصل بعد ذلك.
أفعل الأشياء ولا أعرف عقباها. أحلم أحلاماً ولا أعرف تفسيرها. في الليل أكون ميتاً، ثم أصحو فأجدني حياً، فأطفئ النور وأعود إلى الموت، مطفأ، ومن دون أن تطلّ عليّ حتى نجمة واحدة.
وفي النهار أكون قهوة تغلي على النار، ثم تنطفئ عين الغاز بلا مقدمات، ويظل الفنجان فارغاً مثل عين كبيرة. وهذه هي عين الله التي تبكّتني.






