حاوره محمد هديب
يصعب إنكار أن الرواية العربية تعيش وتتسيّد مجالات النشر، وهي إلى ذلك تنعم بوفرة غير مسبوقة.
عشرات الجوائز، ومئات الإصدارات السنوية، ومهرجانات وندوات ودراسات أكاديمية لا تكاد تنقطع. بيد أن هذه الوفرة تثير سؤالاً مقلقاً: هل تنمو القيمة الأدبية بالمعدل نفسه الذي ينمو به الإنتاج؟
فما يلفت الانتباه مع هذا الفيضان الروائي عجز متزايد عن التمييز بينها. تتبدل الأمكنة والأزمنة والأسماء، وتتنوع الموضوعات والشخصيات، بينما يبدو كثير من الأعمال أسير قوالب متشابهة وأفق واحد، بينما يصبح التمييز ممكناً من خلال الجوائز التي يتأبطونها جنوب المتوسط وشماله.
والأغرب أن النقد نفسه، الذي يفترض أن يكون أداة فرز وتمييز، بات يكتفي في كثير من الأحيان بوصف النصوص وتحليل بنياتها ورصد سياقاتها، وتوزيع الكليشيهات النقدية يميناً وشمالاً، مثل “المسكوت عنه” و “كسر التابو” و “العتبات النصية”، متجنباً إصدار الأحكام أو المفاضلة بينها.
هنا لا يعود السؤال متعلقاً بالرواية وحدها، بل بالنظام الثقافي الذي يحيط بها: الجامعات، والجوائز، والندوات، والدراسات النقدية، وآليات منح الشرعية الأدبية.
في هذا الحوار، يناقش الناقد والأكاديمي الفلسطيني إبراهيم أبو هشهش جملة من الأسئلة من زاوية قد تبدو صادمة للبعض، إذ يرى أن المشهد الأدبي العربي يشهد انتشاراً واسعاً لما يسمى “روايات القرش”.
وينظر أبو هشهش إلى “التفاهة” بوصفها مفهوماً نقدياً دقيقاً يعاين موقفاً معرفياً بأكمله. ويرى أن جزءاً من المشكلة لا يكمن في الأدب “التافه” وحده، بل في المنظومة النقدية التي فقدت تدريجياً، جرأتها على إطلاق الأحكام والتمييز بين الأدب الذي يبقى والأدب الذي يمرّ مروراً عابراً
تصف التفاهة بأنها موقف معرفي. كيف يتحول هذا الموقف إلى بنية داخل رواية تتناول مواضيع كبرى كالحرب، والمنفى، والهوية، والمرأة؟
الموضوع في ذاته لا يحدد أن يكون الأدب مبتذلاً كما لا يضمن أن يكون رفيعاً، فالوعظ الأخلاقي الرفيع مثلاً لم ينتج شعراً رفيعاً، ولذلك قيل “أسمج من شعر الفقهاء”، لأنه لا يثير الخيال، بل يدرك بالذهن ويتوقف هناك، ولا يتغلغل إلى الوجدان، ولا أظن أن في الفن عموماً موضوعات أو ثيمات أكثر أهمية من غيرها، اللهم إلا ضمن ظروف تاريخية بعينها، وهذا يظل أمراً مؤقتاً في كل الأحوال، لأن أسئلة الوجود الكبرى التي واجهت الإنسان هي هي في كل الأزمان والعصور.
ولذلك فإن الموضوع نفسه يمكن أن يكون مضموناً لعمل رفيع أو رديء، والحاسم هنا هو المعايير الفنية الكلاسيكية: العمق والأصالة والابتكار والجمال والقدرة على ملامسة جوهر الوجود الإنساني.
لهذا كله قلت إن التفاهة قد تتبدى حتى في أكثر الموضوعات أهمية كالوطن والحرب والمرأة والحرية…إلخ، لأن التفاهة في نهاية المطاف موقف معرفي يتسم بالسهولة، والضحالة، وأحادية المعنى، والزخرفة، وغزارة الصور، والميوعة الوجدانية.
وعليه فإن إنتاجاً أدبياً هذه صفاته هو في الغالب إنتاج يلبي التوقعات العادية للقارئ العادي عبر بناء تشويقي، وحبكة عاطفية أو حتى ميلودرامية، ورؤية نمطية واضحة للحياة والأشياء، وانخفاض مستوى الافتراض في القارئ المتخيل، أي أنه لا يكسر
التوقعات من خلال أسئلة غير مسبوقة، أو نظرة غير اعتيادية مفاجئة للواقع والوجود، أو تجريب أساليب وأشكال جديدة، ولا تتردد فيه أصداء أعمال أدبية أو فلسفية أو فنية سابقة ضمن آليات دمج تناصية متنوعة.
فالنص الرفيع أشبه بغرفة أصداء، لأنه يعيد إنتاج أعمال سابقة بلا توقف، ويحمل جينات سلالات متتالية، بمقدار ما يسعى، في الوقت نفسه، للتجاوز، والفذاذة، والتفوق على أسلافه.
أفترض أنه ليس عندك مشكلة مع وجود نمط روايات القرش مثل “عبير” و”أحلام” وهي روايات واضحة السوق لم تزعم يوماً أنها مساوية لدستويفسكي وماركيز.
ليس لأحد أن يزعم أنه يمتلك سلطة سواء كانت معرفية أو نقدية أو أكاديمية تتيح له أن يحظر أي نوع من الكتابة مهما كانت، فلكل بضاعة مشتر، حتى روايات القرش مثل روايات “عبير” و”أحلام”، كان لها قراؤها، وهذا أمر جيد، فالقراءة مهما كانت، هي ممارسة متمدنة، ازدهرت عموماً بعد انتشار التعليم وتوفر وقت فائض وخاصة لربات البيوت في الطبقات الميسورة، فكانت قراءة الروايات الغرامية والرومانسية أبرز وسائل التسلية، وهذا ما جعل من الأدب السردي بضاعة رائجة ونشاطاً اقتصادياً حيوياً يلبي احتياجات السوق، وهذا بدوره أيضاً أدى إلى ازدهار الأدب التافه.
ولكن أخشى أن روايات “عبير” و “أحلام” و”أحلى رواياتي” التي كانت تُعلق بملاقط الغسيل على حوامل معدنية إلى جانب أوراق اليانصيب، قد اختفت من الأسواق لتتسلل إلى روايات تبدو ظاهرياً أكثر رزانة، وصادرة عن دور نشر جادة إلى حد ما.
في السبعينات ظهر كاتب لبناني نشر عدداً كبيراً من الروايات الضخمة ذات الطباعة الفاخرة، تتكرر فيها كل صفحتين أو ثلاث عبارة: “وجلس على المقعد الرجراج الوثير”، وكلها تدور حول قصص غرام ملتهبة تحدث في عالم منفصل عن التاريخ والواقع، مما يذكر ببدايات الرواية المعربة بتصرف شديد في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حينما كانت الروايات تصدّر بعبارة: رواية غرامية اجتماعية هادفة، وتدور عادة حول موضوع الخيانة الزوجية والندم.
هذا الابتذال الفج لا نجده الآن في الرواية الراهنة، وهناك روايات متفوقة تصدر بين حين وآخر، لكن ذلك لا يعني أن الإنتاج الروائي العربي لا يمر عموماً بحالة من الوهن وغلبة الرديء على الجيد، ولا يخدعنك غزارة الإنتاج والهيلمان الإعلامي الذي يرافق كل ذلك.
إذا كان الذوق يختلف من قارئ إلى آخر، فما الذي يمنع الحكم على الرواية من أن يتحول إلى مجرد انطباع شخصي؟
لكل قارئ أفق توقع مختلف، وهو يطور مع الزمن غريزة قرائية خاصة إن جاز التعبير. وكما يقال، إنك لست مضطراً لشرب ماء البحر كله لكي تعرف أنه ملح أجاج.
ناقدة ومترجمة أميركية، أظن أنها إديث غروسمان، إذا لم تخني الذاكرة، قالت إنها وجدت نفسها تغرق فوراً في قراءة “مئة عام من العزلة” حالما وقع بصرها على عبارتها الافتتاحية: “تذكر العقيد أورليانو بويندا، وهو واقف أمام فريق الإعدام، عصر ذلك اليوم البعيد عندما اصطحبه والده لرؤية الثلج”.
إحدى مشكلات الرواية العربية الراهنة أن كثيراً من كتابها، على خلاف جيل الرواد الكبار، جاؤوا من خارج “السلالة الأدبية”، وفق تعبير الناقد السعودي محمد العباس، ولذلك جاءت رواياتهم أقرب إلى المشروعات، والأطاريح الإعلامية والفكرية التي تهدف إلى الإسهام في التنمية والتطور المجتمعيين، أكثر مما هي أعمال أدبية تستند إلى ذاكرة أدبية ممتدة تتصادى فيها أصوات متعددة، وينهض فيها الإبداع، واللغة، والخيال بالمهام الجمالية التي تخلق المتعة التي تدفعنا بدورها لقراءة الأدب عادة.
بل وجد هؤلاء في هذا الجنس الأدبي واسع الانتشار شكلاً حراً يتسم بما يكفي من المرونة والسعة في المساحة اللغوية، والزمانية، والمكانية للتعبير عن مواقف أو رؤى أخلاقية، واجتماعية، وسياسية، بدون التقيد بالمناهج العلمية التي تفرضها المعايير الصارمة للأطاريح العلمية في مثل هذه الحقول.
وإن قال قائل إن فلاسفة كباراً صاغوا رؤاهم الفلسفية في روايات مثلما فعل سارتر مثلاً في روايته “الغثيان”، أو كولن ويلسون في رواية “الشك”…إلخ، سأقول إنهم فعلوا ذلك مع الحرص البالغ على متعة القص، وتحقق البنية الفنية المحكمة، سواء في المعمار السردي أو في صياغة العوالم ورسم الشخوص.
إلى أي حد صار الناقد أو الأكاديمي جزءاً من شبكة مصالح رمزية ومؤسساتية تجعل إصدار حكم نقدي صريح فعلاً مكلفاً؟
أخشى أن هناك التباساً في الأمر، فليس كل شخص يحمل شهادة عليا من أقسام الأدب في الجامعات وينشغل بالكتابة عن الروايات، يمكن أن نصفه بأنه ناقد أكاديمي.
النقاد في كل العصور والثقافات لم يكونوا يوماً بهذه الكثرة الكاثرة التي نسمع بها يومياً في الندوات وفعاليات إشهار الكتب التي باتت نوعاً من الاعتياش المعنوي المتبادل بين كاتب أصدر رواية وأستاذ جامعي كل عدته أنه كتب أطروحته في موضوع الرواية.
الناقد سواء أكان يحمل شهادة عليا أم لا هو شخص يتمتع بملَكة النقد، وقادر على تسليط ثقافته على النص وفق تعبير أستاذنا إحسان عباس، وهذا أمر يحتاج إلى استعداد خاص وقدرات لا تتأتى للجميع.
وهو عموماً شخص لديه حس لغوي عال، ويتمتع بثقافة واسعة عابرة للتخصصات، ومطلع اطلاعاً عميقاً على الأدب العربي قديمه وحديثه، وعلى قسط جيد من الآداب العالمية، ومتمثل لنظريات الأدب ومناهج النقد، مثلما تطورت منذ أرسطو حتى أحدث المنجزات النقدية.
يتمتع إلى جانب ذلك بذاكرة خصبة تسعفه على تذكر النصوص، والإحالات، والتشابهات من أجل المقارنة، والموازنة، والمفاضلة، والتأويل، ويتصف بالنزاهة والشجاعة والقدرة على إصدار الأحكام الموضوعية والجمالية.. إلخ.
ولذلك فإن كثيراً من الدراسات والندوات “الأكاديمية” حول الروايات، لا تزيد في الغالب عن كونها اقتباسات نظرية كثيرة من منظري العلوم السردية الغربيين، ثم محاولة تطبيقها على الروايات موضوع الدرس.
وغالباً لا نعثر على صلة مقنعة بين الجانبين النظري والتطبيقي، فالجانب التطبيقي يظل في النهاية مقتصراً على التوصيف باستخدام مصطلحات تطرز الكلام في محاولة للإيحاء بمعرفة وامتلاك أدوات نقدية خاصة، وفي نهاية المطاف لا تصل بنا إلى أي حكم مستند إلى مَلكة النقد المتحصلة من سعة الاطلاع وعمق النظر ومتانة العدة المنهجية، بل تكتفي برصد السمات البنائية وعزل العناصر الخطابية، فيبقى كل هذا في سياق من المجاملة والترويج، وأشبه بالتدريبات التي تهدف إلى التعرف على مكونات شيء من الأشياء.
والخطورة في ذلك أن مثل هذه الدراسات لا تميز في الغالب الرفيع من الرديء، بل يظل الأمر هنا أشبه بطلاب يتعرفون في درس تشريح على أنسجة الجسم البشري في مجسم من البلاستيك، وفي هذا تتشابه جميع الأجسام، أما التعامل مع جسد حي فهو مستوى آخر مختلف تماماً، لأن الأعمال الأدبية المتفوقة تتجاوز في العادة إلى آفاق جمالية وفكرية وأساليب غير مسبوقة، وليس من السهل فرز عناصرها التي تتآزر معاً لإحداث أثرها الكلي.
هل تعتقد أن الجوائز العربية الكبرى ساهمت في تكريس ذائقة معينة للرواية، تقوم على الوضوح العاطفي، والرسائل السريعة، والقابلية للترجمة، والتسويق؟
إذا كانت الجوائز قد عملت على تنشيط كتابة الرواية والترويج لها وتوسيع جمهورها من ناحية، فإنها لعبت من ناحية أخرى دوراً سلبياً في جعل الكتابة والنشر نشاطاً موسمياً محكوماً بمعايير ضمنية غير معلنة، تفرض على كثير من المتقدمين لها رقابة داخلية خطيرة، وهذا أول شيء ينافي شروط الإبداع، ناهيك عن الاستعجال في إنجاز الأعمال ونشرها قبل الموعد المطلوب، وفي هذا ما فيه من سلبيات لا تخفى.
لو كان لي رأي مسموع في هذا المجال لاقترحتُ منع الترشح والترشيح للجوائز، بل منح الجوائز للأعمال المستحقة من قبل لجان متخصصة هي التي تقرأ وتتابع ما ينشر، كما هو الحال في معظم الجوائز العالمية الكبرى.
فأغلب الذين حازوا على نوبل في كل المجالات كانوا مبدعين وعلماء شغوفين بما نذروا أنفسهم له، ومنكبين على مشاريعهم لا يلوون على شيء، وغالباً ما فاجأهم اتصال لجنة نوبل بهم لإعلامهم بفوزهم.