أنجبت أمّي من جرّاء الزواج 17 نسمة. مات 7 وبقي 10. وفي سنة، وقد كان أبي عاطلًا من العمل، أنجبت مرّتين في أولها وآخرها.
ويعزى هذا النشاط الإنجابي لذعر الأب من أن يكون قليلًا أمام الناس. وبالتالي فالتكاثر فيه ثقل ديموغرافي، يستطيع به تشكيل سريّة أمن وحماية. وإذا جدّ الجدّ فسيجد من يلبّي النداء للدفاع عن مملكته المكوّنة من غرفة ونصف، ومطبخ ومرحاض مكان لا علاقة له بالحمّام أو التواليت.. مرحاض بعيد.. كالأمل.
أمّي حرصت كلّ الحرص على أن تأتي له بذكور وحسب. غير أن أخطاء مطبعية قسّمتنا قسمة عادلة حسابيًاً، وضيزى في التقييم، فطلعنا خمس قوارير وخمسة فرسان (بلا خيول).
كان أبي يحفظ نكتة طويلة، الزبدة فيها أنّ لكل فرد في العائلة اسماً، الرضيع سمّي “مستقبل”: وسمّوه هكذا معوّلين عليه، فهو بشرى ما، لخيرٍ ما، لغدٍ ما أفضل.
أثناء السباحة الحرّة في التمنيات، يباغت الرضيع أهله ويعملها في فوطته فيصيح الأب: “افففف.. تعالي يا مرة شوفي المستقبل خري على حاله”.
إذا كان “المستقبل” يبدأ حياته هكذا، فألف عطّار لن يجدوا ثمة شيئاً يصلحونه. وكان أبي يشير بنكتته إلى تحول العالم إلى خريَة صغيرة، رداً على مارشال ماكلوهان الذي يزعم أنّ “العالم قرية صغيرة”، وعاشها الزوجان عملياً، وهما أيضاً اللذان قررا أخلاقياً أنهما أبونا وأمنا اللذان في الأرض.
ضحكنا على النكتة أوّل مرّة، ثم أصبح الضحك يقل لفائدة جرح بلا دماء، ذلك الجرح الذي يحوّل الروح من ملعب حياة إلى جوارير مقفلة، وبلا مفاتيح.
كانت الأم تقول لجاراتها: المصاري وسخ يدين. كنت أرى كم يدها نظيفة ومزمنة النظافة، وأراها مع زوجها حين يحمى الوطيس بسبب الحاجة الكاسحة إلى وسخ اليدين، ذلك الوسخ الضروري الذي لا يؤدّي إلى ملعب الحياة اللطيفة، بل كيما يعملها “المستقبل” كلما اضطر إلى ذلك.. دون إحساس بالذنب.
رجال لطفاء على الباب
جاءنا مرّة رجال من جماعة التبليغ، ودقوا باب الزينكو في الرصيفة (15 كلم شمال شرق عمّان). ونحن الذرية لم نكن جميعنا في البيت، لأنه ضيق حقير الشأن، ونعيش فيه نهارنا بالمناوبة.
انتبهت لاحقاً إلى أننا الذكور ونحن نصف السكان، كثيراً ما نطرد من البيت عقاباً على فعايلنا السيئة. وأن قلة الطعام وضيق المسكن، يقضيان بافتعال مشكلة ما لتكون سبباً للطرد خارج البيت.
وإضافة إلى يمين الطلاق بالثلاث بأن المطرود من البيت لن يعود، كان لدى أبي شبرية حادة، وأيام الفدائيين كان يجمع السلاح الأبيض مع الكلاشنكوف، ما يعني أن الأمل في العودة صفر، نظراً للفارق الفادح في التسليح بيننا.
ثم إنه يهدأ، فيتراجع عن التهديد بالسلاح، ويعفو عنا. ولم يحدث طلاق مع أمي، ذلك أن الله لم يكن يأخذ أبي على محمل الجد.
أحياناً يزمجر: عليّ الطلاق بالمليون. أي ملاك لديه الوقت ليسجل مليون طلقة؟
حاصله: هذا الرجل العامل الشقي في كسّارة، وجد نفسه على الباب أمام مجموعة مفرطة في اللطف، حتى الريبة. وورثت أنا هذا الارتياب إلى اليوم. أي إنسان مبالغ في لطفه أظن أنه يخفي شيئاً.
قال الرجال إنهم سمعوا عن التزامه الديني من أهل الحارة (وهذا غير صحيح)، ثم دعوه للخروج. سأل: أخرج إلى أين؟ قالوا: للدعوة في سبيل الله. مد أبي ذقنه المِنجلي وقال: موافق، لكن بشرط، هاتوا لي شوال عدس وشوال رز، أتركهما لهؤلاء، وأمضي معكم إلى أي مكان.
اعتذروا ومضوا في طريق بعيد.






