أثناء إقامة “معرض الفن الفلسطيني” في غاليري بيسان بالدوحة سنة 2001، دُعينا إلى فطور ريفي فلسطيني في بيت الفنان إبراهيم أبو الرب، الذي كان وقتذاك يعلّم في جامعة قطر، والضيوف الذين تقاسموا الحوش والمائدة كانوا فنانين من الوطن العربي ونقاداً وصحفيين.
سليمان منصور الذي دفن في مثواه الأول والأخير في بلدته بير زيت يوم 26 أغسطس/ آب 2026، كان بين هذا الجمع ضمن مشاركة فلسطينية كبرى في أول غاليري خاص في تاريخ قطر حمل اسم “بيسان”.
وبصوته ذي الطبقة المنخفضة واضحة المخارج، قال عن لوحته “جمل المحامل” الأشهر دائماً في مسيرته، بأن ثمة خللاً فيها..
في الحبل الذي يشده العتّال ويحمل به القدس على ظهره. كان يتحدث بجاهزية من قال الجملة نفسها عشرات المرات، مستعداً لترديدها كلما جاءت سيرة اللوحة. اللوحة وأسطورتها ولا أتذكر مبتدأ الحديث، بيد أن السيرورة تشير إلى أن الرجل يردّ على سؤال أو تعليق، ومن المؤكد أن الكلام من الطرف الآخر ليس تقليلاً من قيمة العمل.
إن هذا النوع من الأعمال لا ينظر إليه إلا بتوقير، لسبب وحيد أنه ولد وولدت أسطورته معه. ولعلها فرصة الفنان السانحة ليجعل الأسطورة السماوية كاليونانيين تنزل على المسرح وتكشف عيبها أي وجهها الآدمي. فهو يبدو دائماً منتظراً لأي نأمة ومنبهاً الغافي والنائم: ليقول له: هناك خلل في لوحتي، ثم يتطوع فيشرحه: الحبْل غير منطبع على البدن ليبدو بالطريقة التي تُحملها ظهور العتّالين.
حبل مبروم نحن نتحدث عن ثلاث نسخ من “جمل المحامل”. الأولى التي رسمت عام 1973، وسمع بها الناس وحفظوا الصورة حين طبعت عام 1975. النسخة الأولى يظهر فيها الحبل المبروم الذي تخلى عنه منصور لاحقاً وهي النسخة التي طارت وابتعدت.
لماذا تخلى؟ لأن الحبل المبروم غير مفضل في العتالة، فهو لا تحكمه قبضة الكف بسهولة ولا يوزّع الثقل على الكتف، بل يجرحها، وهذا ما تعرفه شوارع المدن الفلسطينية بالفطرة الشعبية قبل أن يقوله النقد الفني.
انتبه أو نبهه أحد فوافق فوراً وأمّن على الكلام الصحيح وصار يسابق الناس في القول إن المبروم خيار غير سليم. الشاهد هنا ما تبقى من عتالين أو ذريتهم وصور فوتوغرافية لعتالي القدس صورها خليل رعد (1854-1957) ويظهر فيها من يحمل على ظهره صفائح التنك، وآخر كوميدونو، وثالث بيانو، وجميع الحبال شرائط كتانية.
لكن الانتقال من الحبل المبروم إلى الشريطي لم يكتمل حتى النهاية. حبل العتالة الوظيفي، كما في صور رعد، يُلف حول الجبهة بإحكام يوزّع الثقل عبر عظم الجمجمة والرقبة معاً. شريط منصور يبدو ملفوفاً حول الرأس بطريقة أقرب إلى عمامة أو شال، وأطرافه تتدلى بانحناءات وتماثل مرسومين بعناية جمالية أكثر مما تتدلى بإهمال عملي كما يفعل حبل يُشد فعلاً تحت ثقل.
صحّح الرسام خطأه الأول، واحتفظ بأناقة الحبل على حساب واقعيته الكاملة. بلغ تساهل الفنان أن قبل أحقية نقد ولو أنه أقلوي يتمنى بالقول يا ليت سليمان ألبس العتّال العجوز نعلين فلا أبقاه حافياً في شوارع الناس. وحين اتصلت به قبل عام تحدث عن النسخة الأولى، التي لها تاريخان الأول حين رسمت والثانية حين طُبعت ضمن موجة الصور والملصقات التي دعمتها منظمة التحرير الفلسطينية.
اللوحة مطبوعة لم تكن في فلسطين المحتلة عام 67، بما يسمى الضفة الغربية وقطاع غزة غاليريات ومتاحف فكانت المنظمة تدعم طباعة الملصق واللوحة لوصول القضية إلى أبعد قرية لم تصلها الكهرباء بعد.
طبعوها بمنشورات صلاح الدين الكائنة في شارع صلاح الدين في القدس والمفضلة عند الكتاب الشيوعيين. سرعان ما دخل الجمل من واسع الأبواب وصار من مفردات الجدار في البيوت والمضافات والدكاكين، بعدما تحول إلى طباعة تباع بسعر مقبول.
ليس بالضرورة أن يعرف ملايين البشر من رسم اللوحة، لكنهم يحفظون وجه العجوز ذي العينين الغائبتين في محجرين عميقين ويحفظون القدس. لدى نزوله في مهرجان أصيلة في المغرب عام 1990 سألوه فوراً عن “جمل المحامل”. إن الصورة المحفوظة باسمها المألوف واستعارتها الاجتماعية المتداولة في الوطن العربي خدم ذيوعها الأيقوني، فلم تعد عملاً فنياً بالقدر الذي أصبحت فيه رمزاً شعبياً.
ولقد فكرتُ في القول إن “جمل المحامل” أقل قيمة فنية من أعماله الأخرى الأبعد والأمهر في اللون وبناء المشهد. بيد أن الفكرة هاهنا غلط من ساسها لراسها. فالقيمة التي تشتمل عليها اللوحة قادمة من منطقة احترام واجب لاستعارة بشرية مجيدة تراهن على صلابة ركبتين لا تشكوان ولا تئنان.
ورغم التكوين الطاعن في السن للجمل فهو عتال رموز ثقيلة، من الوجود الأول واللجوء الأول والطريق الأول الذي حين رآه ردد مع الشاعر “سأقطع هذا الطريق إلى آخره”. الرسام الناقد سنلاحظ كم تحول الرسام إلى ناقد لعمله الخاص، بعد أن تيقن أن جمل المحامل أفلت من سلطته وصار بعيداً راضياً بشقائه وكبريائه لا ينتظر من أحد فضلاً ولا منة.
سنعاين هذا العجوز في ثلاث لوحات: الأولى الأشهر التي انطلقت في الملصقات ووزعت في العالم، وثمة نسخة رقمية موجودة في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي هي ذاتها الأولى بالحبل المبروم وقد تبرع بها ممثل منظمة التحرير في أستراليا علي القزق عام 2015، ضمن ملصقات عديدة أحضرها من بيروت. ومن سمّاها “جمل المحامل” هو إميل حبيبي، وفق ما يرجحه سليمان منصور، إذ كان الاسم نتيجة مداولة بين إميل وبشير البرغوثي الرفيقين الشيوعيين، وهما يتأملان اللوحة والاسم الممكن حين التقيا في منشورات صلاح الدين.
بدت الدقة التقريبية كافية لرجل يروي حكاية عمرها خمسون عاماً. اللوحة الأصلية التي طُبعت فُقدت بعد ذلك، ولم يعرف أحد أين ذهبت والثانية استقر مقامها عن القذافي وربما دُمّرت في القصف الأميركي على طرابلس عام 1986، والثالثة التي رسمها 2005 تقتنيها الآن مجموعة رمزي دلول في بيروت.
ورغم أن مكالمتي تعلقت بشأن آخر آثرت حفظه حول حقوقه في “جمل المحامل”، ولأسباب رجحت فيها أفضلية عدم النشر، إلا أن الدردشة حول العمل وقصته عبر ثلاثة أزمنة تستحق أن تروى. فالجميع يتحدثون عن شيء لم يعد ملكاً لأحد وأولنا صاحبها.
أما الخطأ المعياري بالجملة، فهو بالنسبة إليه ليس عيباً جمالياً أو لغوياً. شيء ما يشبه اللثغة أو الرجفة أو الوحمة، كلها قد تجد طريقها إلى أن تكون علامة وتفلت من المعيار والمقارنة. قال لي “الجمهور لا يشتري لوحة لأنها صحيحة تقنياً، يشتريها لأنها تختصر شعوراً لا يحتاج تدقيقاً”.




