ينتقي الكاتب البريطاني إيان كروفتون من التاريخ أطعمةً وموائدَ لا تستوي سيرتُها من دون سِير الأديان والهجرات، والتقاليد، والطقوس والأعراف، والقوانين، والسُلطات السياسية حتى الاستعمار، والعنصرية.
شريط تاريخي ممتد منذ الحضارات القديمة، يستلُّ منه ما يراه مفارقاً، أي حين يمكنُك المرور بمائدة رومانيّة عليها إناء نبيذ تسبح فيه سمكة حيّة إلى أن تموت فتؤكل، حتى 2011، العام الذي شهد في لندن افتتاح محل بوظة بحليب نساء مُرضعات.
وكتاب “تاريخ طريف للطعام والشراب” A Curious History of Food and Drink، 2013، بترجمة نادين العودة عن دار “إلكا” 2023، يتخذ غالباً من أوروبا مجاله للرصد والتعليق على ما انتقاه من تواريخ الطعام، سواء في المتون الأثرية أو التاريخية أو الأدبية.
معرّجاً على ثقافات أخرى في عالم قديم مترابط برّياً، تسابقت فيه الخيول الغازية والجِمال على طريق الحرير، وصولاً إلى عالم جديد، سيصبح جديداً على سبيل “الطرافة” فقط لأن الأوروبيين جاءوا إليه مطلع القرن السادس عشر فوجدوا لأول مرة شراب شوكولاتة ذا مذاق منفّر يقدمه لهم المضيفون الآزتيك، وتقديراً لهذه اللفتة الطيبة أبادهم القائد الإسباني هيرنان كورتيز.
الماء المر
لم يعجَب الإسبان بالشوكولاتة المعجونة بالفلفل الحار، لكنهم في القرن السابع عشر جعلوها بالسكّر والفانيليا والقرفة بدل الفلفل وبالتدريج سيتحول “الشاكواتل” الذي يعني “الماء المر” بلغة النواتل إلى شوكولاتة.
الآن، يمكن العثور بسهولة على ألواح شوكولاتة في محلات البيع والأسواق الحرة بالمطارات، مزينة عُلبها بقرون فلفل أحمر. أي أننا احتجنا إلى قرون تغيّر فيها مزاج المصنع الأوروبي ومزاج مستهلكيه الذين قبلوا رواية المنتصر، وفي الواقع أذعنوا.
ليس مطلوباً من الكاتب أن يطرق كل شيء، ولكننا نقترح عليه عدم تجاهل طبق رئيسي في “المنيو” تعرّفنا إليه بعد حوالي قرن من لقاء الشوكولاتة على أرض ما سيعرف فيما بعد بالولايات المتحدة الأميركية.
لا أحد ممن أطلق عليهم اسم الهنود الحمر ينادي الطائر الداجن باسم الديك الرومي أو الحبشي أو التركي. لقد تشكّلت المائدة التي جمعت البحارة البريطانيين وعِلْية القوم من سكان البلاد الأصليين من هذه الطيور، ذبح بعدها الضيوف مستضيفيهم عن بكرة أبيهم.
ديوك رومية ومذبحة في أميركا الشمالية وشوكولاتة ومذبحة في أميركا الجنوبية. وللمصادفة فقد كان الديك الرومي الذي عفا عنه الرئيس الأميركي جو بايدن في عيد الشكر العام الماضي يحمل اسم “شوكولاتة”. رأيناه على شاشات التلفزة وهو يبلغه بأنك يا شوكولاتة لن تكون عشاءنا هذه الليلة ونحن نحتفل في “عيد الشكر”.
يخطر ببالي أن الطريف، الغريب، المستهجن، هو أحد أمرين، إما أن يُجلب من تاريخ ماض تراكمت عليه طبقات، عبَر منه في الزمان ما عبَر، واندثر أو على الأقل تجاوزته التحولات، والثاني الازدراء الناجم عن أن الآخر يأكل ما لم تتعود على أكله.
لحّام تشكيلي
التحولات، دائماً تربط بالنشوء الحضاري الذي روّض الحيوانات وجعلها أهلية، وزرع البرّي فجعله محصولاً. اللحوم كانت طرائد ثم صارت في متناول اليد وصار الإنسان لحّاماً تشكيلياً، يرسم بالسكين ويفرُم على الوضَم، ثم قرر الأميركان في ثلاثينيات القرن الماضي وضْع بقرة في عُلبة. تفتحها ولا علاقة لك بمن ذبح وسلخ وطبخ، وتأكلها حتى لو كان تاريخ الصلاحية منتهياً دون أن تموت هذه الليلة.
الثمار كانت بريّة، والإنسان ملتقطاً. وحين أصبح مزارعاً صار يمكنه أن يعيش أطول إذا ما اختفت الطرائد، مع الطعام المخزّن من حبوب وثمار مجففة، ولخوفه من المستقبل ربط زراعته بآلهة السماء. نحن حتى اليوم نحصد تحت جناح بعْل ما توارثناه منذ آلاف السنين وسميناها زراعة بعلية.
في الشق الآخر خذ مثالاً معاصراً يخبرنا عنه الكاتب. ففي استطلاع مجلة ناشيونال لامبون الساخرة (استمرت من 1970 حتى 1998) عن “الأجانب حول العالم”، تحدث الكاتب الأميركي بي جي أورورك عن الفرنسيين بأنهم “جبناء بالمطلق يجبِرون أطفالهم على شرب الخمر… مخنّثون قِصار يأكلون الحلزون والبزّاقات والجُبن الذي تشبه رائحته رائحة أقدام الناس”.
خنزير طروادة
وهو يمرّ على القرن الميلادي الأول يعرض لنا موائد الأثرياء وفيها حلمات ضروع الخنازير، وأجنّة أرانب وقواقع تُربّى على الدُخن والتين، هناك وليمة كبرى اسمها “خنزير طروادة”.
من اسمها تشير الوليمة رأساً إلى السخرية من شعب مهزوم، فقد حَوّلت الوليمة مأساة “حصان طروادة” (سواء أكانت أسطورية أم تاريخية) إلى خنزير مشوي محشو بالنقانق ويقدَّم واقفاً على قوائمه ثم يُشقّ بطنه فتندلق النقانق كأنها أحشاء الحيوان.
هذه شؤون الأثرياء وبلاطات الملوك التي تتوارث فنون الطبخ وتؤسس لآداب المائدة وصولاً إلى أعقد تقاليدها المعروفة بـ”الإتيكيت”، وما الإتيكيت سوى تأطير البدائية في كريستال.
لاحظوا الفارق بين ذبح الخروف في منغوليا من ساقه وانتزاع قلبه لينزف على مهل، ثم طبخه بالدم الذي يتجمع في أحشائه، وبين قطعة “الستيك” على الدرجة الأولى من الاستواء المفضلة لدى الذواقة بدمها الذي يسيل على السكين دون أن ينقط على الفوَط البيضاء.
يمكن للراغب في اللحوم الاستزادة أكثر من البروتينات والمذاقات الحيوانية من خلال قدم فيل مشوية وشفاه قرود، وشرائح لحم أسد منقوعة في النبيذ والخل، ولسان زرافة.
وجبة بوذا
غير أن الكتاب يعيد لنا نحن أشباه النباتيين بعض التوازن (سأصف أشباه النباتيين مؤقتاً بالجبن).
فقد كان المعلّم الديني والزاهد سيدهارثا غوتاما الملقب بـ”بوذا” يتجول في شبه الجزيرة الهندية، (حوالي 553 قبل الميلاد) مكتفياً بحبة من “الجوز أو ورقة” حسبما ذكرت المترجمة، حتى صادفته فلاحة وظنّته روحاً من فرط نحوله، فرثَت لحاله وقدمت له الرز مطبوخاً بالحليب.
أما أصحاب الحِمْية القاسية المعاصرون فسيقدم لهم الفيلسوف الإغريقي ديموقريطوس لفتة مؤثرة، وقد كان يقتطع من وجباته كل يوم حتى اقترب من نهايته.
قلقت أخته إذ سيمنعها موته من العبادة في مهرجان ثيسموفوريا الديني الذي يستمر ثلاثة أيام. ماذا فعل الرجل؟ أبقى نفسه على قيد الحياة حتى انتهاء المهرجان عن طريق استنشاق رائحة الخبز الطازج، ثم مات.
لحوم وتشريعات
لا يوجد أي تشريع ديني خالٍ من بنود للطعام على مستوى التحليل والتحريم، فالناس منذ البدء لا يفعلون شيئاً سوى التفكير في وجودهم، وتناول الطعام حتى يواصلوا هذا التفكير.
يروق للكاتب استحضار تشريعات دينية وقوانين اصطدمت في بداياتها بمشكلات وواجهت ظروفاً وسعت على أساسها أو ضيقت قوائم الطعام، وعليه يواجه القارئ في أغلب الصفحات مواقف وقصصاً عجيبة مرتبطة باجتهادات المشروع وصاحب السلطة.
مما يورده كروفتون من داخل السلطة الكنسية حظر لحوم الخيول بمرسوم بابوي عام 732، إلا أن سكان آيسلندا الذي يحبون لحوم الخيل قاوموا دخول المسيحية حتى عام 999، ولم يدخلوا إلا بعد حصولهم على إعفاء خاص من الكنيسة لمواصلة نظامهم الغذائي.
بعد حوالي مئتي عام من هذا التاريخ، سيسود اعتقاد بأن الأوز أبيض الرأس قد نشأ من القشريات البحرية، ما يعني أن هذه الطيور تعد إلى حد ما أسماكاً وعليه يمكن تناولها أثناء الصوم الذي تُحرّم فيه اللحوم، وكذلك الأمر في الكابيبارا أكبر قوارض العالم، لأنها تقضي معظم حياتها في الماء.
قهوة الكفّار
وفيما يخصّنا نحن العرب والمسلمين فقد جاءت حصتنا الكبرى من القهوة، التي ربطها الأوروبيون الغربيون بـ”الكفار” المسلمين. إذ شككوا في البداية في القهوة التي يشربها العرب والأتراك. على سبيل المثال، في عام 1599 كتب المسافر الإنكليزي السير أنتوني شيرلي عن الكفار الملعونين الذين يشربون نوعاً معيناً من الخمور، وهو ما يسمونه “قهوة”.
في الفترة ذاتها تعرض البابا كليمنت الثامن لضغوط بُغية إدانة القهوة باعتبارها بِدعة شيطانية و”أحدث فخ من فخوخ الشيطان للقبض على أرواح المسيحيين”.
يذكر الكاتب أن موقف الأوروبيين يعود جزئياً لأن المسلمين كانوا يحتسونها، وتلخص شغفهم هذه المقولة التركية “يجب أن تكون القهوة سوداء مثل الجحيم، وقوية مثل الموت وحلوة مثل الحب”، وفي بعض منه يرجع إلى أن القهوة اعتبرت نقيضاً للنبيذ الذي يمثل دم المسيح في القربان المقدس.
ومع ذلك وفقاً للمرويات الشعبية، فقد صرح كليمنت بأن هذا المشروب “لذيذ جداً. يجب علينا خداع الشيطان بتعميده”.
لم يكن حظ الشاي أفضل من القهوة، ففي عام 1757 في لندن قبل أن تصبح عاصمة من عواصم الشاي، كان هذا المشروب متهماً بأنه رذيلة وعادة مروّعة، واستمر ذلك عقوداً لاحقة نظر فيها إلى الشاي على أنه مفسدة للشباب.
الكرواسون والهلال
لا يبدي الكاتب حماسة (عكس باحثين إيطاليين) فيما يتعلق بـ”الأطْرِية” وهي المعكرونة التي أدخلها العرب إلى صقلية.
كما رفض حكاية الكرواسون المشهورة أثناء الحصار التركي لفيينا، حين أحبط هجوم ليلي مفاجئ على المدينة من قبل خباز استيقظ باكراً لإشعال فرنه فسمع أصوات حفر الأنفاق تحت الأرض. قرع ناقوس الخطر، وجرى تفجير النفق التركي. وفي الاحتفال بالنصر ابتكر الخباز معجنات جديدة سماها كيبفيرل، مصممة على شكل هلال رمز الإسلام كما يظهر على الأعلام العثمانية.
يقول الكاتب “على الرغم من أن هذه القصة جذابة، إلا أن وجود الكيبفيرل موثق منذ القرن الثالث عشر على الأقل”.
يفتح الكتاب صفحات التاريخ على طريقة البوفيه، ويتأمل دون أن يغرق في العمق الثقافي المقارن والتحليلي، حتى لا يلحق الضرر بفكرته التي تقوم على الإمتاع واختصار التواريخ إلى لُمع.
توت القهوة
أما الذي يلحق الضرر من زاوية القارئ فهو الترجمة التي تضطره إلى قراءة ما بين الكلمات والسطور لسبب وحيد لا ثاني له، وهو عدم ثقته بجدية المترجمين العرب إلا من رحم ربي فرحمونا بدورهم.
كيف لي وأنا لا أتقن أي لغة أجنبية أن أرى راعي ماعز يراقب قطيعه وهو يتغذى على التوت الأحمر فيصبح أكثر حيوية والراعي نفسه “جرّب التوت… فدفعته البهجة لأخذ التوت إلى رجل دين مسلم. هذا الأخير رفض، وألقى التوت في النار، مما أطلق العنان لرائحة عطرة. حرصاً منه على التقاط هذه الأعجوبة، قام الراعي بإخراج الحبوب المحمصة من النار، وطحنها، ثم أذابها في الماء الساخن وهكذا صنع فنجان القهوة الأول”.
ما علاقة التوت بالقهوة سوى أن كلمة berries تعني التوت وقد تستخدم كلمة beans (فاصولياء) وكلتاهما تعنيان بعد جهد بسيط على غوغل “ثمرة لبّية”؟ وبما أن القهوة حمراء على الشجرة ألا يفضل القول “ثمرة كرزية”؟ هذا اقتراح لستُ حريصاً عليه ومن قارئ غير مختص.
كما أن الحساسية اللغوية تقتضي ألا نحشو “جثة” الطائر بالأرز والمكسّرات، أو أن “نخبز” اللحم. ثم ما حبة الجوز التي كان يأكلها بوذا؟ هل هو جوز من الفصيلة الجوزية أم النخيلية؟ وإذا لم يتناولها فلديه بديل أن يأكل ورقة. ما الورقة المقصودة؟
ما زال في ذاكرتي مترجم “فذ” زاملتُه في الجاهلية ترجم Raqqah، أي مدينة الرقة السورية، إلى “راكاح”. ومصادفةً كنت أعرف أن راكاح هو الحزب الشيوعي الإسرائيلي.
هذه وغيرها الكثير تدفع أي قارئ ليسأل بين كارثة وأخرى عن موهبة دور النشر في النوم بضمير مرتاح.
هذه المادة منشورة في موقع العربي الجديد






