بين الجوائز التي تمنحها مهرجانات السينما الأوروبية ثمّة كائنات لاحمة: دب في برلين، وأسد في البندقية، وفهد في لوكارنو، وبينها حيوانٌ عاشب هو “العجل الذهبي” في أوترخت.
وحين سئل أحد منظمي المهرجان عن هذا الاختيار، أجاب ببساطة “الدول الأخرى لديها أسودٌ ودببة، أما نحن فعندنا عجلٌ، وبعد كل شيء هو خطيئة أن تعبده”.
إذاً، منح هؤلاء جائزتهم اسماً يستبطن تحذيراً من تحويلها إلى صنم. هكذا زعموا، أو نريد نحن أن نزعم. لكن التحذير لم يصل، وللدقة لا يصل إلا حين يُراد ذلك.
ونحن في مهرجان برلين السينمائي 2026 الذي يختتم الأحد المقبل سنبني مقاربتنا على العجل الذهبي، بما هو عجل مقدس جديد يدور في المهرجانات، ويتقن جميع اللغات الاستعمارية.
عجل لا يحتاج إلى نصوص دينية. هو مؤسسة مسجلة، لها ميزانية سنوية، وموقع إلكتروني، وباقة ميكرفونات في المؤتمرات الصحفية، ولائحة شرف، وسجادة حمراء.
لا يطلب منك أحد أن تعبده كما العجل التوراتي القديم، بل المطلوب دائماً هو الصمت المنظم، الصمت الذي يطبق على الكلام، أو يثرثر حتى ينطبق عليه الوصف السوداني “كلام ساكت”.
تعقيدات
ثمة كلمات بديلة تعمل ذخيرة احتياطية عند الحاجة، “الحياد” واحدة منها، و”الإنسانية” أختها، و “التعقيد” أبوهما وأبو العالم الثالث كله.
التعقيد بالذات هو الجريمة الكاملة التي لا تُسجل أي حدث باسم أي جهة، فتبدو سياسياً كأنها لم تقع. الوضع في فلسطين معقد، لذلك لا تتحدثوا في السياسة كما أراد رئيس لجنة التحكيم، ويم فندرز يوم افتتاح المهرجان، حين سئل عن موقف ألمانيا من حرب الإبادة على غزة.
زمان، كان لا يوجد سلام بحسب وصف محمود درويش، بل “عملية سلام”. في غزة كان الفلسطيني يكتب حياته والإسرائيلي يمحو، وصارت “عملية السلام” تلك من ذكريات الزمن الجميل في عائلة المجتمع الدولي.
هذا ما أدركته المخرجة التونسية كوثر بن هنية في برلين لدى الإعلان عن فوز فيلمها “صوت هند رجب“، بجائزة “السينما من أجل السلام”، وأدركته قبلها الكاتبة والناشطة الهندية أرونداتي روي.
فكل الكلمات التي لها مناقبية عالية كالسلام، عليها ألا تتحول إلى منصة تجميل. هنا ينتفض الحد الأدنى من الكرامة، حتى لا تتحول الكلمات إلى معادل أخلاقي مريح، يوزع الغمزات والتربيتات على الإنسانيين والمحايدين والمعقدين.
المبدأ والعادة
عضو لجنة التحكيم المنتجة البولندية إيفا بوششينسكا ابت إلا أن تضيف لمستها، فوصفت السؤال عن غزة بأنه “غير عادل”، ثم قالت العبارة الأصدق من دون أن تدري “هناك حروب كثيرة تُرتكب فيها إبادة جماعية، ولا نتحدث عنها”.
لم تقل “يجب ألا نتحدث”، قالت “لا نتحدث”، وهذا فارق واضح بين المبدأ والعادة. الجملة هنا ليست دفاعاً عن الصمت، بل اعتراف به، وتطبيعه بوصفه ممارسة راسخة، إذ لو قلنا إن الأمر غير معقد، والجريمة غير مشكوك فيها، فإن التاريخ يتصبب إبادات، وعليه: هل الإبادة الفلسطينية على رأسها ريشة؟
انسحبت الكاتبة آرونداتي روي من المهرجان، وقالت إن عبارة “الفن بعيد عن السياسة” طريقة لإغلاق النقاش حول جريمة تقع أمامنا، ورفضت بن هنية تسلم الجائزة قائلة إن “السلام ليس عطراً يرشّ على العنف”.
الاعتراف بوجود طفلة اسمها هند رجب عاشت ساعات بين الجثث وهي تنتظر الإسعاف، وقتلت، وقتل مسعفان حاولا الوصول إليها، وبقيت جثتها أياماً حتى تحللت.
هذا كله إذا قبل العجل المقدس تمريره، رغم التعقيدات، فلن يكون من دون تكريم الجنرال الإسرائيلي نوعام تيبون الذي ظهر في الفيلم الوثائقي الكندي “الطريق بيننا.. إنقاذ نهائي”، وقد أنقذ عائلته يوم السابع من أكتوبر.
دائماً، كما هي حال الفلسطيني الذي عليه قراءة مجلدات تاريخ لإثبات أنه وريث هذه الأرض وليس البولندي والأوكراني، فإنه لن ينسى القول إن لا أحد ينكر حق أي أب في حماية عائلته، بيد أن السؤال في انتزاع هذا الفعل من سياقه، من المؤسسة التي خدمها صاحب الرتبة، من القوة التي تملك السماء والأرض، ثم إعادة تقديمه على سجادة حمراء باعتباره نموذجاً مجرداً للبطولة.
جلاجل الفضيحة التي تقرقع ليس لأن ثمة فيلماً عن إنقاذ عائلة، بل في اختلال الميزان، وفي تحميل الفلسطيني كلفة السياق كله، وفي جعله مادة نقاش حساسة. مقابل أن تكون ضحية لا لبس فيها مع ذرف دموع، عليك قبول الفارق الحضاري بينك وبين الطرف الآخر، وعليك أن تفهم أن الفرد الفلسطيني إرهابي لأنه يقتل بيديه، والإسرائيلي عسكري لأنه يضغط على زر في الطائرة.
الاختلال صار منهجاً، لعبةً. أنا صاحب مهرجانات لاحمة ذهبية، وعاشبنا يرعى السعفات في “كان” وفي أي مكان. أنا عجلك المقدس الجديد. إن كان لديك فيلم إيراني، فليكن عن عاشقين يعانيان من الرقابة. لديك فيلم صيني فليكن عن شجاع يواجه النظام. عن روسيا فليكن محتفياً بضحايا لا يريدون حروب بوتين.
إن كان لديك فيلم عن غزة، فليكن، بشرط غير قابل للتفاوض: على الضحية ألا تتحول إلى شاهد.
ولهذا فإنك أيها الفلسطيني إذا أردتَ أن تتدرب على سجادات حمراء، فخذ هذا الدليل العملي “كيف تصبح خبير أوضاع معقدة في ستة أيام؟”
اليوم الأول: تتعلم كلمة سياق. تستخدمها في كل جملة. اليوم الثاني: تضيف الحساسية التاريخية. تذكر الجميع بأن الأمور لها جذور عميقة جداً.
اليوم الثالث: تتحدث عن الطرفين، حتى لو كان أحدهما يملك السماء والآخر لا يملك سوى بنطلونه.
اليوم الرابع، تحذّر من الأبيض والأسود، وتبتسم ابتسامة مدوّرة.
اليوم الخامس، تقول إن الحقيقة غالباً ما تكون في المنتصف.
اليوم السادس، تختم بأن الأمور أعقد مما تبدو عليه، والتاريخ ليس طهرانياً، وثلاثة أرباع الكرة الأرضية ماء لأننا جميعاً قذرون.
تهانينا. لقد تخرجت.
هذه المادة منشورة في صحيفة وموقع العربي الجديد






