كان المعتقد السحري أول مرحلة في سلّم تطور الحضارة البشرية، سبق المرحلة الأسطورية ومهّد لها، وحسب علماء الأنثروبولوجيا الحضارية كان السحر هو علم الإنسان القديم الذي أسقط على الكون صفات بشرية، إذ يمكن التأثير على سلوكه بممارسات يؤديها كهنة أو شامانات، انطلاقاً من المبدأ السحري الأساسي: احصل على شبيه الشيء تحصل على الشيء نفسه، فبهذه الطريقة يؤثرون على الطبيعة ويرشونها أو يجعلونها تشعر بالغيرة، فتمطر، أو ترفع غضبها عنهم.
ومع أن المرحلة السحرية كانت مرحلة سحيقة غابرة، إلا أن بقاياها ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا مختلطة بالأسطورة والعلم وأعلى مراحل التكنولوجيا.
رجل ضخم الدسيعة أغمّ القفا، صار في ثقافة الفرجة وعصر ما بعد الحقيقة، رئيسا لأعظم قوة دولية راهنة- جلس أول أمس خلف مكتبه أمام وسائل الإعلام، وشاهده العالم وهو يمارس هذا المبدأ السحري، فقد غيّر اسم بحيرة إنتاريو في لمح البصر بأبسط الوسائل، فذلك احتاج في نظره قلماً جيداً وشخصاً ذكياً فقط، وهما عنصران متوفران، وهكذا صار اسم بحيرة إنتاريو على الخريطة أمامه بحيرة أمريكا، إنه مبدأ بسيط بساطة فتح صنبور ماء متدفق أمام رجل مسن مصاب بحصر البول أعطي كل الأدوية اللازمة، لكي يشعر جسمه بالغيرة، فيتدفق بوله وتنتهي معاناته.
من حسن حظ هذا الرئيس الساحر أنّ الطفرة الرقمية قد زوّدته بوسيلة سحرية متاحة لها قدرة عجيبة على المحاكاة، ولذلك صار مضيق هرمز في مادة مولدة بالذكاء الاصطناعي منطقة أمريكية، وصارت غرينلاند ولاية أمريكية يعيش عليها البطريق الإمبراطوري الذي لا يوجد في الواقع إلا في القارة القطبية الجنوبية على بعد آلاف كثيرة من الأميال، فالأمر أبسط مما تتخيلون، بل أبسط حتى من إنهاء ثماني حروب يواظب بلا توقف على إقناع نفسه بأنه وضع حدا لها في الأيام الأولى من ولايته.
ورأينا أن هناك من اقتنع بذلك قناعة راسخة، فقد قابل أحد المذيعين زوجين أمريكيين وسألهما لماذا تؤيدان هذا الرئيس، فقالا بلا تردد لأنه أنهى ثماني حروب، ولمّا طلب المذيع من الزوج أن يسمّي حربين منها، لم يعرف، فطلب أن يذكر اسم حرب واحدة على الأقل، فلم يتذكر أيضا، وحين أحال المذيع السؤال للزوجة عجزت أيضا، وطلبت من المذيع أن يسأل زوجها، فهي على دينه.
وهذا المبدأ السحري له تطبيقاته هنا أيضا أمام أعيننا، إذ رأينا الإسكندر المقدوني المعاصر، كما يسميه أبناء جلدته، يتوعد بضرب “البنى التحتية” للطائرات الورقية[كذا في الأصل] التي يلهو بها الأطفال في المكان الأشد نكبة في التاريخ، كما رأينا رئيس بلدية يغير اسم باب العمود أو باب دمشق أو باب نابلس أو باب صلاح الدين إلى البوابة القديمة، هكذا بجرة قدم ويافطة حديدية بثلاث لغات مكتوبة بالدهان الأزرق.
وبما أن اللغة هي أقدم أدوات السحر وأشدها فتكا وفاعلية، فقد استعملت هنا أيضا، فهذا الاسم الجديد اسم مبهم منزوع الذاكرة، لا يمكن نسبته لثقافة معينة، ولذلك يمكن انتحاله، على اعتبار أن هناك في المقابل بوابات جديدة لا ذاكرة لها أيضا سوى الدلالة الزمنية المطلقة القابلة أيضا للانتحال ببساطة تغيير اسم خليج المكسيك إلى خليج أمريكا.
لكن الأمر في الحقيقة أكثر تعقيدا بكثير جدا من عامل القوة وحدها، لأن الذاكرة الإنسانية حصيلة مركبة متراكمة ساهم التاريخ والجغرافيا والطبقات الثقافية واللغوية بكل تعقيدها في تكوينها، ولا يمكن حذفها كما تحذف ملفّا رقميا من الحاسوب.




