اثنا عشر كيلومتراً تفصل بين مقر “صندوق استكشاف فلسطين” في غرينتش ومبنى “المتحف البريطاني” في بلومزبري. اثنا عشر كيلومتراً بين مؤسستين بريطانيتين تقاسمتا طويلاً مشروعاً واحداً يقوم على خدمة البنية الاستعمارية.
لكن شيئاً ما تغير على مدى القرنين الماضيين جعل المسافة بينهما اليوم أوسع مما يمكن لأي خريطة أن تقيسه. الصندوق لا يزال يحمل الاسم، والمتحف يلاحقه ويمحوه استجابة لضغط صهاينة متحمسين اسمهم “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل”، بدعوى الحياد.
هكذا هي الكلمات “المتحف غيّر المصطلحات لأن فلسطين لم تعد محايدة سياسياً” وهكذا ما يمكن قوله إن “الحياد في مواجهة المحو ليس موقفاً، إنه الاسم المهذب للتواطؤ”.
إن أردتَ أن تبدأ القصة من هنا فليكن. المتحف الذي من صفاته الليبرالية: الحياد يمحو اسم فلسطين ويثير اللغط والجدل والاحتجاج، وأياً من الردود التي يتوقعها المرء على سلوك مؤيدي احتلال استيطاني يفشل كل يوم في إبادة المعنى الفلسطيني، ويطالبون بالحياد.
أو يمكن أن تقلب فيديوهات “ستاند أب كوميدي” عديدة في مواقع التواصل تتنافس على السخرية من أمر واحد هو المتحف البريطاني الذي يضم آثاراً من كل شعوب العالم مع عدا البريطانيين.
جبل الكرمل
وإن أردتَ العودة 120 ألف سنة قبل الميلاد، فإن جبل الكرمل القديم، الذي حمل في الأدبيات الأنثروبولوجية الغربية اسماً مثل Palaeoanthropus palestinensis، أي “إنسان فلسطين القديم”، سمّوه من دون أخذ رأي صهيوني معاصر.
إن أردت البدء من الأحدث، فسيكون في سبتمبر/ أيلول الماضي، الشهر الذي اعترفت فيه بريطانيا رسمياً بدولة فلسطين، وكانت يد خفية تُعدل لافتات المتحف البريطاني في الطابق الذي يضم قاعات الشرق الأوسط القديم.
لم يُعلن أحد عن هذا، ولم يصدر بيان. وحين كُشف الأمر في فبراير/ شباط 2026 عبر صحيفة تلغراف، تبين أن المحرض هي لا غير جماعة “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل”، التي أرسلت رسالة إلى مدير المتحف نيكولاس كولينان تزعم أن استخدام كلمة فلسطين في وصف حضارات عمرها آلاف السنين يُعد “غير دقيق تاريخياً”، بل يشكل انتهاكاً لقانون المساواة ويطمس “تاريخ إسرائيل واليهود”. وطالبت باستبدال الاسم بـ”كنعان”، أو تقسيمه إلى تسميات أصغر وفق الحقبة، يهودا، السامرة، فلستيا، فينيقيا. المتحف لم يُعلن استجابته، لكن الصور قالت ما لم يقله.
ما الذي تغير فعلاً في اللوحات؟ العديد من المسميات والشروح ومن ذلك خريطة كانت تضع فلسطين الحديثة في سياقها الجغرافي الواضح باتت تستعيض عنها بـ”غزة والضفة الغربية”، وهو ما يُفترض أنه يتبع مصطلحات الأمم المتحدة التي اعترفت بفلسطين دولةً منذ 2012، ولحقتها بريطانيا العام الماضي، لكنها حين اندلعت الحكاية أيضاً لجأت إلى وصفة الحياد وقالت: المتحف له شخصيته المستقلة.

صندوق اكتشاف فلسطين
أُسس صندوق استكشاف فلسطين عام 1865، وكان أول رئيس له أسقف يورك. لم يكن يخفي نيّاته. جاء ليمسح الأرض ويرسم خرائطها ويحضّرها مقشرة جاهزة لمن يأتي بعده، وكان يعلم جيداً من سيأتي.
وظف المهندسين العسكريين لأن عمله كان يقع، وفق تعريفه هو، في المنطقة الرمادية بين المسح الجغرافي والاستخبارات. وأرسل في خدمته ضابطاً شاباً اسمه هربرت كيتشنر ليرسم فلسطين بكل وديانها وآبارها وطرقها وأسماء قراها، قبل أن يذهب كيتشنر نفسه إلى السودان ليرتكب المجازر ويقتل الجرحى في أم درمان، وينبش قبر المهدي ويلقي رفاته في النيل، ثم ينتقل إلى جنوب أفريقيا ليخترع معسكرات الاعتقال الجماعي التي ماتت فيها عشرات الآلاف من النساء والأطفال.
هذا هو كيتشنر الذي رسم فلسطين للصندوق، وصورته لاحقاً صارت أشهر صور الدعاية الحربية في التاريخ البريطاني.
ومع ذلك، لم يكن الاسم مشكلة في بال الصندوق الاستعماري ولا في بال مجرم حرب اسمه كيتشنر. المستعمر الواثق من نفسه لا يحتاج إلى محو الكلمات. يحتاج فقط إلى القوة الغاشمة للهيمنة والوعي بهذه الهيمنة.
وبالتأكيد كانت هذه القوة وهذا الوعي حاضرين لدى شخص اسمه بلفور يكتب في وعده الشهير سنة 1917 عن إقامة “وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”، لا في “أرض إسرائيل”.
حتى المستعمرون الاستيطانيون الأوائل في أميركا الشمالية، أسلاف من صاروا لاحقاً أميركيين، تركوا وراءهم قدراً من الأسماء الأصلية للسكان الذين أبادوهم أو اقتلعوهم. ما تزال كلمات مثل شيروكي وشيكاغو وماساتشوستس وأوكلاهوما تتردد يومياً في اللغة الأميركية نفسها، بوصفها آثاراً لغوية لمحوٍ لم يكتمل تماماً.
أكثر فجاجة
أما الاستعمار الصهيوني فيبدو أكثر فجاجة في علاقته بالاسم والمكان، وأكثر اندفاعاً نحو إعادة التسمية والإفراط في القتل معاً، كأن العنف المتواصل نفسه يكشف قلقاً عميقاً من عدم الاطمئنان الكامل إلى الأرض بوصفها منزلاً نهائياً.
إذا أخذنا علماء الآثار أنفسهم، المتعصبين للمشروع الصهيوني، والأقل تعصباً، ظلوا حتى مطلع الثمانينيات يكتبون أطروحاتهم ودراساتهم ويسمّون حفرياتهم ومجلاتهم ومراجعهم الأكاديمية باسم “فلسطين” أو “أرض فلسطين القديمة” دون أن يرف لأحدهم جفن، أو إن أصابه اسم فلسطين بحكة جلدية، فيلجأ إلى اسم “الديار المقدسة”، كما لاحظ محمد مرقطن الآثاري الفلسطيني المقيم في ألمانيا، والمتخصص في لغات الشرق القديم وحضاراته.
في عام 1938 افتُتح “متحف فلسطين للآثار” في القدس بوصفه المتحف الوطني للآثار في فلسطين الانتدابية. وفي العام نفسه تقريباً، وُصفت علمياً الأفعى المعروفة اليوم باسم Daboia palaestinae باسم “أفعى فلسطين”.
صار اسم المتحف بعد احتلال القدس “متحف روكفلر”، وفي أرجاء فلسطين كانت الطبيعة نفسها التي تخرج منها أفعى فلسطين الجميلة ذات السمية الأعلى في بلاد الشام، تواصل عملها غير آبهة بكل هذا اللؤم البيروقراطي، وهي تعبر قرب “اللوف الفلسطيني” Arum palaestinum باسمه العلمي الذي صاغه عالم النبات السويسري بيير إدمون بواسييه سنة 1854. وطائر الشمس الفلسطيني Palestine sunbird ما يزال يحلق في الأدبيات العلمية البريطانية منذ القرن التاسع عشر دون أن يدرك أن اسمه صار فجأة غير محايد.
أماكن الذاكرة
وفي هذا السياق بالذات يأتي كتاب محمد مرقطن “أماكن الذاكرة في فلسطين أسماء المدن والقرى الفلسطينية وهويتها اللغوية والتاريخية” الصادر حديثاً عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، ليكون رائداً بلا منازع.
فالرجل يفعل بالضبط ما تخشاه جماعات الضغط ومجالس الأمناء معاً. يأخذ أكثر من ألف اسم لقرى ومدن فلسطينية، وينطلق من كل واحد كما ينطقه أهل المكان في اللهجة الفلسطينية الحية، ثم يغوص في طبقاته الكنعانية والآرامية والعربية واليونانية والعثمانية، ليُثبت ما لا يحتاج إثباتاً لمن يريد أن يرى، لكنه يحتاج توثيقاً علمياً صارماً أمام من يشكك ويتملص. يافا هي يافا منذ آلاف السنين. غزة هي غزة. عكا هي عكا. لا الحروب غيرت هذا، ولا الترحيل، ولا إعادة التسمية، ولا رسائل محامي إسرائيل.
حتى الأماكن التي أبيدت مادياً كما ذكر في إحدى دراساته بقيت موجودة في الضمير الشعبي الفلسطيني وفي سرده المتوارث كقريتي الدوايمة والطنطورة المذبوحتين أرضاً وبشراً.
فحص المؤلف مراجع من الشرق الأدنى القديم، والعهد القديم من الكتاب المقدس، والنقوش العربية الجنوبية القديمة، والمصادر اليونانية واللاتينية، والجغرافيين والرحالة العرب والمسلمين، والمصادر الصليبية وتقارير من الرحالة والحجاج الأوروبيين، والأرشيفات العثمانية وأرشيف المحاكم الشرعية في فلسطين، وخرائط ووثائق المسوحات الأثرية في فلسطين.
منهج توراتيين
حتى الأسماء الموجودة في كتاب التوراة، فهو موجود في نص يؤخذ بالحسبان من دون حمولته الأيديولوجية. وفي ذلك يرفض مرقطن منهج التوراتييين، أي الذين يبدأون من نص ديني ثم يبحثون عن جغرافيا تطابقه. هو يبدأ من الواقع المعاش، من الاسم المنطوق اليوم، ثم يسير به إلى الوراء عبر الطبقات.
حين كان باحثون غربيون يبدأون من العهد القديم ليثبتوا أن “كنعان” هي التسمية الأصح، كانوا في الحقيقة يسيرون نحو الأمام لا نحو الخلف، إلى مشروع سياسي يحتاج غطاء أكاديمياً لا حقيقة تاريخية.
ولدى قلبه هذه المعادلة، فإن كتابه لا بد أن يكون مزعجاً لمن يريد الراحة. لا بل إن من يسميهم العالم الفلسطيني بـ”المشعوذين” العرب، لا يقلون بحسبه أذى عن الصهاينة، فهم يفرغون فلسطين من أي وجود جغرافي وتاريخي عمره آلاف السنين، بسبب من لوثة توراتية معكوسة.
مشروع يوشع
فالمشروع الاستعماري الغربي أراد فلسطين تبعاً لحروب يوشع في كتاب ديني، والعرب يريدون تطهير فلسطين من تاريخها، لكأن المشكلة كما يؤكد في التوراة التي هي كتاب فلسطيني قديم، أو في اليهود، لا في أيديولوجيا عنصرية قتلت شعباً وشردته واستباحت أرضه.
مع ذلك يحذر مرقطن من التنميط الاختزالي السريع. فمن سيره الحثيث خلال أربعة عقود في هذا الحقل المعرفي يوضح أن الأكاديميا البريطانية في العموم غير معادية لفلسطين، وفي كثير من الأحيان لا تذعن للضغوط الصهيونية.
قبل أكثر من 3 آلاف سنة، من مصر إلى بلاد ما بين النهرين، ظل اسم فلسطين موجوداً ضمن هذا الفضاء الجغرافي الراهن، يتقلص ويتمدد تبعاً للنزاعات حولها، في الوقت الذي تغيرت فيه أسماء دول عملاقة بقيت فلسطين.
وبالنسبة إليه فإن أهم كينونة فلسطينية هي أسماء الأماكن وفي تاجها فلسطين، التي أسسها شعب هذه الأرض، وهو الذي حمل الأمانة وأوصلها إلى التاريخ الحديث.
من هو هذا الشعب؟ إنه كما يواصل “سكان سموّا أماكنهم أولا وقبل كل شيء لأنه ينتمون إليها. وهنا هم ذاتهم تحولوا من عبادة بعل إلى اليهودية، ثم المسيحية، ثم الإسلام، داخل المجتمع الفلسطيني، وقد جاء غزاة كثر ورحلوا وبقي منهم واندمجوا، إلى أن وصلنا إلى العصر الحديث، فكان هذا الشعب آخر شهادة بشرية للاستقرار البشري في فلسطين من عصور ما قبل التاريخ إلى اليوم.
هذه المادة منشورة على صحيفة وموقع العربي الجديد