الوضع الداكن الوضع الفاتح
كيف شكلت العمارة الإسلامية أوروبا؟ تجيب ديانا دارك
“الإرسالية”… الأرشيف وصل، الرواية تأخرت

“الإرسالية”… الأرشيف وصل، الرواية تأخرت

غلاف الرواية غلاف الرواية
ماذا يحدث للوثيقة حين تدخل التخييل؟

بدأت “الإرسالية”، رواية الكاتب القطري خالد الجابر (الدار المصرية اللبنانية، 2026)، من مادة تاريخية شديدة الإغراء: أوراق جمعها الكاتب على امتداد سنوات من مواقع أميركية لبيع المخطوطات القديمة، وأرشيف الإرسالية العربية الأميركية، المؤسسة المسيحية التي اتخذت الطب مدخلاً لتنصير سكان الجزيرة العربية وحوض الخليج.

في هذا الأرشيف رحلات بعيدة واحتكاكات يومية تكشف المنطقة الملتبسة التي يختلط فيها تخفيف الألم بالرغبة في تغيير دين المريض إلى المسيحية.

يدخل الجابر هذه المادة من خلال ماري مجدولين سميث، الممرضة الأميركية التي تعبر من نيويورك إلى الدار البيضاء إلى السويس عبوراً من البحر الأحمر إلى الخليج: البصرة الكويت المنامة وختامها الدوحة، وتتولى ماري بضمير المتكلم رواية الرحلة.

إعلان

امتحان الرواية

يضع هذا الاختيار الرواية أمام امتحان فني مفاده: ماذا يحدث للوثيقة حين تدخل التخييل؟ ببساطة، تحتاج الوثيقة إلى أن تفقد شيئاً من سيادتها، كي يعيد وعي الشخصية ترتيبها وفق أثرها فيها. عندها يتحول المكان من محطة إلى تجربة تغيّر من يعبره، ويصبح الزمن جزءاً من تكوين الشخصية، لا ترتيباً خارجياً للحوادث.

يكتب الجابر في مقدمته عن وصول الأوراق إليه “بمحض مصادفة تشبه القدر”. وقد بحثتُ في سجل أعضاء الإرسالية العربية الأميركية الممتد إلى عام 1957، ويشمل العاملين الدائمين والممرضات قصيرات الخدمة في البحرين، فلم أعثر على ماري مجدولين سميث. قد تكون الشخصية مبتدعة أو مركبة من ملامح ممرضات حقيقيات، وهذا حق روائي كامل للمؤلف أن يقول إنه عثر على صندوق وثائق ويورط بالتالي قارئه في “إيهام الوثيقة”.

هذه تكررت عديد المرات في الروايات بدءاً من سيرفانتس والدون كيوخته. المعيار الفني هو المسافة التي يفتحها النص بين المصدر الذي يزعمه والعالم الذي يخلقه. تضيق هذه المسافة حين تتبنى الرواية نبرة المصدر.

تروي ماري بصيغة الحاضر المتتابع محطة إثر أخرى، فيتساوى قبر مبشر وحالة مريضة في مقدار حضورهما. ولنلاحظ أن غلاف الرواية يحمل عنواناً فرعياً كاشفاً “رحلة من الغرب إلى الشرق”. في الرحلة لا تمر الوقائع بذاكرة تنتقيها وفق ثقلها، ولا بزمن لاحق يكشف ما بقي منها. لذلك يخفت حضور الشخصيات بعد إغلاق الكتاب، ولا تبقى حتى ماري نفسها.

إلى بلاد العرب

باللغة المعاصرة تبدو ماري مراسلة تلفزيونية تعد سلسلة وثائقية لقناة مسيحية. وكل حلقة تبدأ شارتها بهذه القصيدة التوراتية وعنوانها “إلى بلاد العرب” “خلف شواطئك الرملية اللينة، وصخورك العارية، أرى أرضاً غنية، أرضي الموعودة، إنها اختياري الأبدي، أتوق أتوق، إليك يا منية قلبي، يا بلاد العرب”. قصيدة “إلى بلاد العرب” لفرانسيس تومز استهلال اختاره الجابر لروايته، وهي المنشورة أصلاً في مجلة “العربية المهملة” Neglected Arabia، لسان حال المبشرين الذين رأوا الجزيرة أرضاً توراتية تنتظر من يكشفها وينقذها.

يثبّت العنوان والقصيدة اتجاه النظر، ثم يستهلك الطريق معظم الرواية: ثلث على السفينة، وآخر في المسار إلى الخليج، فيما تتقاسم الإقامة في قطر والعودة السريعة إلى أميركا ما تبقى. تخييل سياحي ثمة تخييل يعمل على ظهر السفينة، لكنه أفقي سياحي يجمع شخصياته بمنطق “المنيو”: هذا إيراني ذو عضلات سعيد بحصوله على الجنسية الأميركية. هذه مغربية راقية الهندام والسلوك ستودعهم وتهبط في الدار البيضاء المدينة التي تتوافر على مواخير. هذا عراقي مشغوف بعمارة بغداد ولديه سوء تفاهم مع القس، وجد ميتاً في غرفته بسبب نوبة صرع، وهذه بيلا الأميركية من أصل مكسيكي التي سبق أن تعرضت للعنصرية بسبب أصلها، وهذا الحاخام أليعازر اليهودي المتطرف الذي كان يدعوا جماعته إلى قتل بنات الليل.. إلخ.

تُستدعى الهوية لتُستل منها صفة فاقعة تكفي المشهد. هكذا يصبح المكان مجموعة معلومات صحيحة لا تجربة تُعاش. تزداد المشكلة حين يُطبّق منطق البطاقة الواحدة على أهل الوجهة المعلنة للرحلة. فهؤلاء غاية سفر ماري، وكان ينبغي أن يُمنحوا زمناً يكسبهم كثافة تفلت من التصنيف. إلا أن الكثافة التي غابت عنهم بقيت كامنة في تاريخ المؤسسة نفسها.

عليك أن تقرأ فقط هذا المرور الروائي الذي يسجل في الدوحة نساء بقناع الوجه الذهبي (البطّولة)، والنساء ذاتهن مفصولات عن الرجال، وأطفالهن يلعبون بكرة قماش، وبناتهن يلعبن الحجلة، وفي سوق شعبي تعرفنا إليه في المنامة هناك روائح التوابل والبهارات.

انبهار اللقية

وسوى ذلك من مسار روائي وقع تحت انبهار اللقية الأرشيفية التي يسعدنا أن نقرأها لنخرج منها إلى شأن روائي دون أن يكون للمستند أي سلطة مباشرة تحل محل الزمان والمكان في نهر واحد بين ضفتين هما الغلاف الأول والأخير.

ما يجعل أرشيف الإرسالية مغرياً أن نساءه الحقيقيات أكثر إثارة من بطلته الخيالية. بدأت الدكتورة إيلانور كالفيرلي عملها في الكويت عام 1912، وعرفها الكويتيون باسم “خاتون حليمة”، وأصدرت مذكراتها My Arabian Days and Nights. ووصلت الدكتورة ماري برونز أليسون عام 1934، وعُرفت باسم “خاتون وسمية”، ثم روت تجربتها في Doctor Mary in Arabia. أما الممرضة كورنيليا دالنبرغ، التي عملت في البحرين، فحملت اسم “شريفة” وجعلته عنواناً لمذكراتها.

لا تثبت هذه الأسماء أن النساء تغيّرن من الداخل، فالناس هم من أطلقوها عليهن. إنها تكشف عمق حضور التجربة في الذاكرة المحلية. ومن باب الاحتمال يمكنني قراءة ماري مجدولين سميث شخصيةً تشكلت في مدار هذه السير، من دون الجزم بمصدر محدد لها.

والرواية نفسها تفتح هذا الباب حين تقول ماري إنها تستعد للعبور إلى قطر والالتحاق بالدكتورة أليسون لتمهيد الطريق.

افتُتح المستشفى في الدوحة أواخر عام 1947 بسعة اثني عشر سريراً، وتعاقب عليه أطباء الإرسالية، ثم عملت فيه أليسون نحو أربعة أشهر سنة 1948. هذا التطابق الدقيق تؤكده العبارات على الجدران “يسقط الاستعمار” و”فلسطين عربية”.

إلى جانب النساء، هذا اسم رجل شديد الأهمية نستعيره من سلطنة عمان ويلقب بـ”أبو الطب العماني الحديث” وهو “الدختر توماس”، وهو ليس دختر ولا توماس، بيد أن الذاكرة الشعبية أكبر ديمقراطية في الكوكب، هي من اختارت الاسم للطبيب الأميركي وليام ويلز ثومز الذي ولد في البحرين 1903 وتوفي في مسقط 1971.

خمسة مهتدين

هذه سير ويوميات ووثائق تنبع تجارب روائية، بينما يمكن اختصار مسار تحويل سكان الجزيرة العربية المسلمين بالأخص إلى مسيحيين بحدث هامشي غير مؤثر، يدل عليه مؤتمر المجلس التبشيري الدولي المنعقد في تامبارام بالهند سنة 1938، إذ ذكر الطبيب المبشر بول هاريسون أن حصيلة الإرسالية خلال خمسين عاماً بلغت خمسة مهتدين فقط.

كان الفشل متوقعاً منذ أن رفضت هيئات تبشيرية فكرة صموئيل زويمر وجيمس كانتين المؤسسين، ورأت التوجه إلى هذا “الشعب المتعصب” حماقة. فقد كانت العقيدة الكالفينية تقيس النجاح بفعل الشهادة بصرف النظر عن عدد المهتدين.

سؤال غائب

هنا يقع السؤال الذي غاب عن الرواية: ماذا كانت المؤسسة تعرف عن احتمال الفشل، ولماذا استمرت، وما الذي حل فعلياً محل هدفها الديني؟ كان بوسع ماري أن تطرح السؤال من الداخل، لكنها تركته خارج وعيها، مع أن الأثر الحقيقي للإرسالية عاش في بنية القوة الناعمة لنفوذ أميركي أوسع، خلّف مستشفيات ونصف قرن من الخبرة اليومية الموثقة.

ولم يكن الأرشيف مجهولاً لدى القارئ العربي. أصدر خالد البسام على سبيل المثال سنة 1998 كتابه “صدمة الاحتكاك”، وفيه حكايات مستخرجة من مذكرات الإرساليين. يتجاور فيه كلام احتفائي جاهز مع مشهد صغير غاية في الأهمية، مشهد عابر تستطيع أن تبني عليه عمارة روائية كما تبنى خمّارة على زبيبة، وكما يقف الزير مسنوداً على حصاة.

تطلب زهرة من ليلى أن تعتني بأولاد المدرسة وتدريسهم القرآن وإذا جاءت امرأة الإرسالية فلا تجعليها تتحدث مع الأطفال طويلاً (..) ولكن لا تنسي أن تخبريها بأنني أريد بعض أدوية الحمّى وأدوية السعال اللعين الذي يجعلني مستيقظة طوال الليل”.

لم يغب هذا عن ذهن الجابر فقد ربطت بطلة روايته العلاقة بين المبشرين والناس المستهدفين بالحاجة. الاثنان محتاجان. هذا لديه مهمة مقدسة وهذا يريد دواء. لكن الوعي الروائي لم يقطع مسافته المأمولة.

هذه المقالة منشورة في صحيفة وموقع العربي الجديد

ابقَ على اطلاع بأحدث الأخبار وأهم المستجدات.

بالضغط على زر "اشتراك"، فإنك تؤكد أنك قد اطلعت وتوافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
المقال السابق
ديانا دارك مؤلفة كتاب السرقة من الساراسن عن العمارة الإسلامية في أوروبا

كيف شكلت العمارة الإسلامية أوروبا؟ تجيب ديانا دارك

إعلان