الوضع الداكن الوضع الفاتح

رحلة UpScrolled.. من الغضب إلى البناء

رحلة أبسكرولد من الغضب إلى البناء رحلة أبسكرولد من الغضب إلى البناء
رحلة أبسكرولد من الغضب إلى البناء

قد يضطر عربي صاحب شهادة عن شهيد أو بيت هدمه الاحتلال في فلسطين إلى تقطيع حروف كلماته في السوشال ميديا كي تتمكن من العبور إلى قارئها، أو وضع رموز بين الكلمات، لكأنها حجاب وقاية من العين، فيعرف قارئ المنشور أن @زة، هي غزة.

وحين تصبح الكتابة بهذه الطريقة ممارسة يومية، يمتد سؤال حرية التعبير إلى الطريق الذي تسلكه الشهادة بعد نشرها، وإلى السلطة، تلك السلطة التي لم تعد تداري غموضها.

من هذه الخبرة، بما رافقها من غضب وشعور بالعجز، استعاد التقني ورائد الأعمال الفلسطيني الأردني عصام حجازي حكاية تأسيس منصة “أبسكرولد” UpScrolled في أستراليا عام 2025، خلال كلمته في اليوم الختامي من ملتقى “بالعربي” 2026، (من 19 حتى 20 أكتوبر/تشرين الأول) المبادرة التي تتبناها مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع.

إعلان

انتظار

روى حجازي حكاية بدأت من موقع يتقاسمه مع ملايين المستخدمين: الجلوس أمام الشاشة، متنقلاً بين الصور والفيديوهات القادمة من غزة التي تقول نفسها دون أي إضافات ومتنقلاً بين الأخبار. أول ملامح قلة الحيلة في منصات التواصل الاجتماعي هو الإدلاء بموقف، ثم بعد ذلك يبدأ انتظار آخر، يتعلق بمصير ما نشر، واحتمال حذفه أو تضييق وصوله إلى من ينبغي أن يراه، وهذا الأخير أسوأ وأسهل لعبة يلجأ إليها القائمون على هذه المنصة أو تلك: لا نمنعك من النشر حتى الآن، لكن لن يراك أحد.

كان الألم واضحاً، على ما يستعيد حجازي، فيما بقي الطريق بين أصحابه والآخرين غامضاً. يكتب المستخدم ما يريد قوله، ثم يترك مصير كلماته لخوارزميات يجهل طريقة عملها. هكذا تدخل سلطة المنصة في الجملة قبل نشرها، وترافق صاحبها وهو يحاول معرفة ما يستطيع قوله وكيف يقوله.

في تلك الخبرة، وجد حجازي نفسه أمام غضب يعرف أسبابه، ويبحث عن عمل يستطيع القيام به. فالوصول إلى الناس محكوم بوسائل تملكها شركات، وتخضع فرص الكلام فيها لقرارات لا يشارك أصحاب الكلام في اتخاذها.

طريق آخر

ومن هذا الموضع، صاغ السؤال الذي قاده إلى تأسيس المنصة: “لماذا لا نحاول أن نبني طريقاً آخر ولو كان بسيطاً؟”.

كان السؤال يضع خبرته المهنية أمام حاجة يعيشها بنفسه. انشغل في البداية كما أخبر الحضور بإمكان إيجاد طريق أكثر عدلاً للكلام، ومساحة يستطيع فيها المستخدم أن يتابع ما يحدث من دون انتظار قرار خفي يحدد له ما يستحق الظهور.

التصفيق الحار الذي استقبل وودع به في المسرح الرئيسي للملتقى نموذج للتعبير عن تأييد الفكرة بشكل آخر، ولكن بروح واحدة لا تقبل هذا الاستعباد الرقمي خصوصاً حين بات واضحاً في سياسته وانحيازه.

وتوقف عند إتمام صفقة “تيك توك” في الولايات المتحدة مطلع العام، وهي اللحظة التي قال إن مئات الآلاف، ثم الملايين حول العالم، وجدوا خلالها في “أبسكرولد” فكرة تستحق الاهتمام.

حملها المستخدمون معهم، وفق تعبيره، ووصلوا بها إلى أبعد مما توقع. وبات على الفريق أن يتعامل مع اتساع التجربة، وما يرافقه من مسؤولية تجاه القادمين إليها.

حرب غوغل

ثم روى واقعة إبعاد التطبيق عن متجر “غوغل”، قائلاً إن ضغط المستخدمين أسهم في إعادته. وفي استعادته لتلك الواقعة، ركّز على دفاع الناس عن مساحة شعروا بأنها تنصفهم. وقد منحه تصرفهم فهماً للعلاقة التي بدأت تنشأ حول التطبيق، يتجاوز ما يستطيع استخلاصه من أرقام الانتشار وحدها: ثمة مستخدمون يرون في بقاء هذه المساحة أمراً يخصهم شخصياً.

هذا الارتباط اتخذ صوراً أكثر قرباً في الرسائل التي وصلت إلى فريق العمل. تحدّث حجازي عن مستخدمين ساعدهم التطبيق على الوصول إلى أشخاص يحتاجون إلى العون، وعن آخرين عبّروا عن فخرهم بوجود مشروع يحمل شيئاً من هُويتهم.

كانت كل رسالة تضع أمامه تجربة محددة، وتجعله يرى أثر العمل في حياة أصحابها، بعيداً عن اختزالهم في عدد الحسابات. وبالنسبة إليه، أظهرت هذه الاستجابات أن الثقة تدخل في صميم ما يبنيه. فالمستخدم يمنح المنصة وقته، ويضع فيها كلاماً يهمّه وصوله، وقد يصطحب إليها أشخاصاً يعرفهم.

وحين يدافع عنها، يصبح استمرارها متصلاً بهذا الاستثمار الشخصي فيها. لذلك أخذ حجازي يقرأ رسائل التشجيع باعتبارها مشاركة في حمل مسؤولية المشروع، وسبباً يدعوه إلى تحمّل صعوباته.

ومع ذلك، ظل العطل التقني يعيد إليه السؤال عن مكانه بين المنافسين. ففي اللحظة التي يتوقف فيها التطبيق، تظهر هشاشة المحاولة أمام الإمكانات الهائلة للمنافسين. وقد نقل حجازي هذا الشك بصيغة السؤال الذي كان يسمعه داخله، ثم أعاد سامعيه إلى الرسائل.

هناك، كان يجد أشخاصاً يطلبون منه الاستمرار، يقولون له “واصل طريقك” ويمنحون الفرصة قيمة تستحق بذل الجهد من أجلها.

بلا تنكر

أراد حجازي أن تصل الحكايات من دون أن تضطر كلماتها إلى التنكّر. وهذه الرغبة البسيطة في صياغتها حملت مشكلة تتجاوز إمكان النشر إلى شروطه الفعلية، إذ يستطيع صاحب الحساب أن يكتب، بينما تبقى قدرة الآخرين على رؤية ما كتبه رهينة ترتيب تتولاه المنصة.

وفي هذه المسافة بين الكتابة ووصولها، وضع مؤسّس «أبسكرولد» موضع اعتراضه. واتخذ الاعتراض صيغة عملية حين سأل: “ماذا لو أعدنا المحتوى إلى تسلسله الزمني الطبيعي؟”.

بدا ترتيب المنشورات بحسب وقت نشرها خياراً تقنياً محدوداً، غير أن حجازي ربطه بحق المستخدم في معرفة سبب ظهور ما يراه على شاشته. فالمنشور يأتي في موضعه تبعاً لزمنه، ويستطيع المتابع فهم هذا الترتيب، عوض البقاء أمام نتائج يجهل المصالح التي أسهمت في صنعها.

وفي شرحه لهذا الاختيار، تحدّث عن الامتناع عن إعادة ترتيب أصوات الناس نيابة عنهم، أو تحديد أهمية كلامهم استناداً إلى مصلحة محجوبة عنهم.

بالنسبة إليه، يسمح هذا التفصيل بإعادة شيء من الحق الطبيعي إلى المستخدم. ويمنح اختياره للحسابات التي يتابعها أثراً أوضح في تجربته اليومية، وفي الأخبار التي تصل إليه عبرها.

تنبع حساسية الترتيب من أثره في حضور الحكاية نفسها. فما يظهر أمام المستخدم يجد فرصة للقراءة والتداول، وما يتراجع قد يفقد تلك الفرصة مهما كانت أهميته لصاحبه.

هكذا عرض حجازي المسألة، رابطاً تصميم المنصة بالسؤال عن الجهة التي تملك تقديم قصة وإبعاد أخرى. ومن خلال ما عايشه خلال السنوات الماضية، أخذ ينظر إلى عمله التقني من هذه الزاوية الأخلاقية.

أكثر إنصافاً

وقدّم “أبسكرولد” محاولة لإنشاء مساحة أكثر إنصافاً، تحفظ للإنسان موقعه صاحبَ اختيار. وكان حريصاً في روايته على ربط الفكرة بالحاجة التي أطلقتها، وبالناس الذين أخذوا يجدون فيها ما يبحثون عنه. فالمشروع الذي بدأ من ضيقه بشروط المنصات الأخرى، صار يتلقى من مستخدميه ما يكشف اتساع هذه الخبرة المشتركة، وتعدد الأسباب التي تدفعهم إلى البحث عن مكان آخر.

قال حجازي “اليوم أؤمن أن الشجاعة أن نبني مكاناً يشبهنا”. وفي التجربة التي عرضها، اكتسبت العبارة مضمونها من العمل الذي سبقها، ومن الأعطال التي اعترضته. فالمكان ما زال قيد البناء، ويحتاج إلى جهد يحفظ ثقة مستخدميه.

أما الخطوة التي أراد مشاركتها مع الحاضرين، فهي اتخاذ قرار بالمحاولة، ومنح الفكرة الناقصة فرصة لتكبر مع الناس الذين يحتاجونه. وعند اقترابه من ختام كلمته، عاد إلى سؤال قديم وجّهه إليه زميل في سيدني عن محاولاته للاندماج.

استحضره من موقع غيّرته تجربة التأسيس، فقد كان منشغلاً بإيجاد مكان لنفسه، ثم صار يسأل عمّا يستطيع بناءه من دون أن يضطر إلى تخفيف شيء من هويته. واتصلت حكاية التطبيق، عند هذه النقطة، بحكايته الشخصية مع الانتماء وحق الوجود.

هذا النص منشور في صحيفة وموقع العربي الجديد

ابقَ على اطلاع بأحدث الأخبار وأهم المستجدات.

بالضغط على زر "اشتراك"، فإنك تؤكد أنك قد اطلعت وتوافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
المقال السابق

"نازا"... شاهد لا يُدحض

المقال التالي
عبّاد يحيى مؤلف رواية رام الله مدرسة الفرندز

رام الله" عبّاد يحيى: شجرة المصائر غير الملحمية

إعلان