خلال لقاء تلفزيوني في هلسنكي سنة 1986، قال الكاتب الفنلندي دانيال كاتس للشاعر محمود درويش، إنه عاش عشر سنوات في كيبوتس “يسعور”، وغادره إلى فنلندا تحت وطأة “ضمير معذّب”.
وما “يسعور” هذا سوى كيبوتس صهيوني أقيم على أنقاض البروة، قرية درويش المهجرة التي بقيت فيها شجرة خروب وبقايا بيوت.
تذكرتُ كاتس (88 عاماً) ودرويش (1941-2008) مع فوز فيلم “نازا” ليوفال أبراهام وراشيل تسور في ختام مهرجان البندقية يوم 12 أيلول/ سبتمبر 2026 بجائزتين: الأولى أطول تصفيق ناله فيلم في تاريخ المهرجان، والثانية جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
فكلما وقعت واقعةٌ من هذا النوع وقعنا أمام مسؤولية ما تجاه “احتياطي الضمير” الذي جال في خاطر درويش عقب لقائه جمهور هلسنكي من بينهم كاتس، وهو يتمتع بهذا الاحتياطي، مثلما يتمتع بأنه “الشاهد الذي لا يُدحض”.
دوّن ذلك في رسالة إلى صديقه الشاعر سميح القاسم بعنوان “هناك شجرة خروب”. نقع ونسأل: هل يستطيع الفلسطيني أن يشيح بوجهه عمن يقول أنا صاحب ضمير معذب؟ أو نحن المخرجين اليهوديين الإسرائيليين من أحضرنا 24 ضابطاً وجندياً ليقروا ويعترفوا بالجريمة.
من ناحيتي، أبارك سبع بركات لأبراهام وتسور على الجائزتين، وأحيي الروح الاستقصائية الممولة بشكل رئيسي من صحيفة “ذا غارديان”، وأحيلهما وأحيل المصفقين للتأمل فقط، إلى كاتس الذي قال لدرويش إنه يمكنه مغادرة فلسطين- إسرائيل والعودة إليها وقتما يشاء فقط لأنه يهودي.
لو كنتُ أنا قائل هذه الجملة لعُدّت ركيكة تدل على ضيق أفق، وتخسرني بعضاً من أقرب الناس قبل أن تكسبني مناصراً واحداً.
من هلسنكي إلى البندقية نقلتُ عن كاتس تقديمه لنفسه وامتيازه بوضوح، لأقول للمخرجين إنكما يهوديان إسرائيليان حصلتما على جائزتين بوصفكما شاهدين لا يجرؤ أحد على دحضهما.
وليست الجوائز هي المسألة، فقد سبق لحكاية طفلة فلسطينية من غزة أن دخلت القاعة نفسها ونالت تصفيقها وأسدها الفضي. المسألة ما يلزم كي يسمع الصوت.
حين يكون الصوت صوتنا يحتاج إلى مخرجة من بلد عربي آخر، وإلى إنتاج أوروبي، وإلى أسماء لامعة من هوليوود تتقدم الشارة. وحين يكون لهم يكفي أن ينقل لنا مخرج صوتاً من الظلام وبوجه محجوب يقول لنا: نعم أنا قتلتهم وكنتُ مستمتعاً، أو أنا قتلتهم والآن أعاني من ارتجاع مريء.
ما يخصني في رسالة درويش أكثر من غيره القول الفصل الذي يمكن التصفيق له ساعات لا خمساً وعشرين دقيقة. يقول في رسالته “نحن الضحايا نصفّق لمتانة الدليل”. اكتشف كاتس أن جيرانه في الكيبوتس كذبوا حين قالوا إن “المهاجرين” زرعوا الخروبة الضخمة، بينما هو بامتيازه الأبدي عرف أن من زرعها هو حتماً أحد أجداد درويش.
والحال في فيلم “نازا” هي الحال ذاتها، فقد فضح المخرجان ما كان مفضوحاً على الهواء، لكن المعاملة المقدمة إلى ما يسمى المجتمع الدولي ممهورة بختم يهوديين إسرائيليين تمر إلى كل مهرجانات الغرب وجوائزه.
لماذا؟ لأن الدليل متين.
تعال نبطئ السرعة عند هذه الجملة. ثلاث كلمات تكفي لوصف وضعنا كله. الأولى أننا نصفق، أي أننا جمهورٌ في قاعة لا طرف في القضية. والثانية الدليل، وهو ما يقدم في نزاع لا يملك صاحبه أن يشهد لنفسه. والثالثة هي الأخطر: المتانة.
لا يقول درويش إننا نصفق للحقيقة، يقول إننا نصفق لمتانتها، والمتانة صفةٌ تخصّ من قاله لا ما قيل. ما أرويه أنا عن بيتي ليّن قابل للطعن، وما يرويه وكيلي عن بيتي متين. بالتالي، فإن المتانة ليست عندي، إنها عند وكيلي. ولهذا أصفق، فأنا في مقعدي أرى دليلي يتقدم إلى المنصة على كتف رجل آخر، وأعرف أنه يمشي على السجاجيد أحسن مني.
نحن نعرف من الزاوية ذاتها أن غزة أحدثت تغييراً في العالم، ولم تنتزع الاعتراف من ضمير غربي استيقظ، إنما من حياة مليونين ونصف كانت تُشطب كل دقيقة قبل أن تبدأ أو أثناء سيرها، فصار العالم مدركاً على نطاق واسع أن كل هذا الألم والخزي يحدث هنا.
وقد فقدنا من الصحافيين وحدهم أكثر من مئتين وستين، وبلغ عدد الشهداء حتى يوم توزيع الجوائز ثلاثة وسبعين ألفاً وسبعمئة وثمانية وثلاثين، والرقم يتغير يومياً بحسب مزاج القتلة. وحين صار الإنكار مستحيلاً انفتح الكلام، ولم ينفتح في اتجاه واحد.
في الجهة التي جاء إليها المترددون وحسموا أمرهم أمام كيان وظيفي، صار العدو أشد وقاحة وجهراً وفخراً بالجريمة.
سؤال: لماذا يحتاج المستمع الغربي إلى هذا الوسيط تحديداً؟
الجواب، لأنه يعرف أن السلاح والفيتو والتمويل والتغطية من عنده، وأن الإصغاء إليّ وإليك يجعله متهماً في القضية. أما الجندي النادم وحتى غير النادم يمنحه مرآةً مريحة يرى فيها نفسه رجلاً يخطئ ثم يصحو، وهذه صورة لا تكلفه شيئاً، بل تصب في رصيد مجتمع حيوي يرتكب الجريمة ويسمح لمخرجين بالعمل.
هل توجد ديمقراطية في الشرق الأوسط تسمح بهذا؟
أقوى دليل على هذا جاء من فم أبراهام نفسه وهو يتسلم الجائزة. قال إن إسرائيل قتلت ستة أطفال في غزة خلال أيام المهرجان العشرة، بينهم طفلة في الثالثة قصفت في مدرسة وشقيقتان كانتا نائمتين في بيتهما. وقال ما هو أهم: إن هذه الحقيقة موثقة ومعروفة منذ اليوم الأول بفضل الصحافيين الفلسطينيين، وإن إسرائيل قتلت أكثر من مئتين منهم فأسكتت أصواتهم وأنكرت شهاداتهم.
كلامٌ مثل هذا لا يقوله من يخطط ليغسل سمعة دولة، ولهذا لا مكان في هذه المقالة لتلك التهمة. وهو في الوقت ذاته أدق وصف لما أتكلم عنه. الشهادة كانت موجودة كاملة من اليوم الأول، والذي تغير ليس المعرفة، إنه الفم الذي نطق بها.
ثم إن التصنيف الذي يقوم عليه كل هذا لم يتغير في خمسين عاماً. أحد المتحدثين في الفيلم يقول إن هؤلاء ليسوا بشراً، هؤلاء “نازا”، أي ضرر عرضي، وهي مفردة من معجم الأضرار المدنية الذي يبحث في تعويض ما يتلف من مال وماشية، فصار قاتل العائلة يسجلها في دفتر التلف لا في دفتر الدم.
في سنة 1978 نقلت مجلة “الوطن العربي” ما كتبه رئيس تحرير “يديعوت أحرونوت” هرتسل روزنبلوم، بعد اجتياح جنوب لبنان بما سمي “عملية الليطاني”، أن العرب “صنف متوحش” وأن التعامل معهم تعامل مع “حيوانات من صنف خاص ليس من الممكن ترويضها” وفي 2023 قال يوآف غالانت إنه يحارب “حيوانات بشرية”.
التصنيف واحد، والمتغير نبرته وحدها.
الفرنسيون متحضرون آخرون لديهم ما يضيفونه إلى المعجم الحيواني البشري، فلقد سموا الجزائريين “راتون”، أي الجرذ الصغير، ومن الكلمة اشتقوا اسم المذبحة نفسها، “راتوناد”، فصار قتل الجزائريين في الشارع حفلة اصطياد لها اسم في المعجم الاستعماري.
هل يرضي هذا جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار؟ حاشا وكلّا.
في تلك القاعة وقف الجميع خمساً وعشرين دقيقة. وما جعلهم يقفون كان عندنا منذ اليوم الأول، قاله أكثر من مئتين وستين صحافياً ثم قُتلوا، ولم يقف لهم أحد.
نحن نعرف أن الأنظمة والجيوش تقتل دون أن يردعها كتّاب وفنانون، وأننا حين نرسم الضحايا ونؤدي أدوارهم في السينما ونوثق حياتهم وموتهم في الأفلام ونغني لهم في الميادين، لا نوقف مجزرةً بأسلحة رشاشة، ولا نمنع إصبعاً من كبس زر صاروخ. لكننا نحمي أرواحنا من أن يكون موتها مجانياً.






Comments are closed.