الوضع الداكن الوضع الفاتح

عن دفتر ميش

محمد هديب

بكل جدية يرفعون الرايةَ، وتحت قماشةٍ واحدة يحيون ويموتون. مع ذلك راق لبعض العرب أن يسموها الهَيْزَلة، لأنّ الريح تَهْزِل بها وهي ترفرف. ما من سلطةٍ تستطيع منع الهواء من العبث حتى بالرايات.

العرب كانوا إذاً يَميشون في راياتهم، الميش الذي يعنيني أكثر وهو خلط الجد بالهزل. هذا هو الميش وهذا هو “دفتر ميش”.

ولقد خلط بعض نسوتنا صوفاً أبيض بشعر ماعز أسود، حين حشين الفرشات. ولم تكن الغاية واحدة. شوهدت نساءٌ يخلطن على سبيل الغش ربما، أو لأنّ الصوف الخالص أغلى من قدرتهنّ. الميش ليس فضيلةً خالصة، وهذا ما أريده منه

قال الراجز: عاذِلَ، قد أُولِعتِ بالترقيش، إلي سِرّاً فاطرقي وميشي (لسان العرب)

قال أبو منصور: أي اخلطي ما شئتِ من القول.

ويقال: ماشَ فلانٌ إذا خلط الكذب بالصدق. الكسائي: إذا أخبر الرجلُ ببعض الخبر وكتم بعضه.

وماشَ يميشُ ميشاً إذا خلط اللبنَ الحلوَ بالحامض. وماشَ الناقةَ ميشاً: حلب نصفَ ما في ضرعها، فإذا جاوز النصف فليس بميش.

الميش: خلط لبن الضأن بلبن الماعز. والماشُ: قُمَّاشُ البيت، ومن هذا قولهم “الماش خير من لاش”، أي ما كان في البيت من قُماشٍ لا قيمة له خيرٌ من بيتٍ فارغٍ لا شيء فيه.

الميش ليس اختياراً. هو ضرورة. حين تمس اليد الألياف المختلفة، لا تسأل نفسها: هل أخلط أم لا؟ تخلط لأن الخيط الواحد المنفرد لا يحمل الوزن.

“دفتر ميش” ليس محايداً، لا يحب المسافة الواحدة بين اثنين، ولا مصطلح الشرق الأوسط والمجتمع الدولي وبالتأكيد عبارة “ناقش الزعيمان القضايا ذات الاهتمام المشترك”.