جلست المرأة وزوجها في درجة حرارة الغرفة يلقّطان كمية ضخمة من ورق الملوخية. ولسبب ما ضرب الرجل زوجته بمفرمة الملوخية ففتح رأسها، ثم أقفله بقهوة عربية.
استفرغت المرأة ورأسها معصوب، ثم عرفت أنها حبلى وفرحت وطار صواب الزوج وهو ينطّ ويرقص.
جاء الولد عام 1978، وكان على جبينه وحمة تشبه المنجل الشيوعي، فقالت الزوجة إن الحبَل إرادة الله وهو سابق لضربي بمفرمة الملوخية. هذا يعني أن الله أراد أن يقول شيئاً، وحين فتحتَ رأسي، الله يفتح راسك، كان القدر أن يرسم الوحمة قبل قدر الملوخية.
لنسمّه فتحي قال الزوج، فردّت الزوجة، سنسميه عبد الفتاح.
قال معك حق. تحسّين “أبو فتحي” بيّاع جبنة. أبو عبد الفتاح فيه هيبة ووجاهة.
المنجل موجود في بيت بالرصيفة عند مجمع وكالة الغوث، لواحد من مؤسسي الحزب الشيوعي الأردني. صورة منجل ومطرقة متقاطعان. كان ذلك في السبعينات حين حفر لهم الزوج حفرة امتصاصية وأخذ مقابلها سريراً رفاصاً بزنبركات.
في عام 2006 كان فتحي معروفاً باسم فتّوح، حين قبضت الشرطة عليه.
تعرض لما يشبه الاغتصاب مرتين، الأولى حين كان في الرابع ابتدائي على يد سعدية بنت أم نافز، وكانت أعطته علكة ستميرول، وبدأت تعضعضه، فظن أنها مهارشة أخوية، إلى أن بدأت أنفاسها تسخن وتترك على رقبته لعاباً.
ثم جاء يوم في مساء مربعنية زمهرير والريح تصفُر وعمود الكهرباء مكسور، وأرسلوه لشراء علبة بولوبيف ودخان “إل إم” الذي اعتبرته شلة شبابية اختصاراً لاسم “لينين وماركس”.
كان ابن الدكنجي يقفل الدكان حين رآه ففتحها، وطلب منه الدخول دون أن يضيء المكان، محاولاً بوقت سريع أن يبدو رفيقاً ذا عشرة، فأخذ الولد في عناق تحت بالطو ضخم ويسأله بفحيح “إل إم أحمر ولا أبيض؟”.
صار فتّوح يسكر في مقبرة أم الفضل، الكبرى والمشرعة على مساحة واسعة من أراضٍ لمنجم فوسفات قديم.
وهو أكثر من غيره يكسر قناني مارتن حداد بشواهد القبور. يرميها من بعيد حتى لا يتحطم الزجاج قريباً من قدميه وقدمي صاحبه. وحين يأتي زوار القبور يكنسون الزجاج، وداخل حرمة المقبرة يقولون حسبي الله ونعم الوكيل، وبعد الخروج منها يشتمون الأعضاء التناسلية لأمهات وأخوات السكرجية.
حكم فتّوح 15 سنة سجناً. هذه حكاية معروفة عند كل الناس هنا. فقد قتل صاحبه بحجر في شهر نيسان من 2006، وكانت المقبرة ظلاماً عند منتصف الليل، وأول عمود كهرباء على بعد كيلو متر عند مسجد أبو هلال.
لم يعد لديه ما يكسره من زجاج. شرب مع صاحبه وأكلا عوّامة حتى تصعد السكرة. ظل وقتاً طويلاً في هلوسة الضوء وتمايل شواهد القبور، حين ضرب صاحبه فجأة بحجر.
اعترف بسرعة في التحقيق لكنه أنكر نية القتل.
فتّوح ليش قتلته؟ سأله الضابط فقال: ظننته ثعباناً فهجمتُ عليه بالحجر. لم يكن قدّامي إلا ثعبان، وإلا كيف أقتله سيدي، ولماذا وهو صاحبي؟
اختار بعد سنتين في السجن أن يكون عبد الفتاح. المساجين الجدد آمنوا بالاسم، والحراس والمساجين القدامى ظلوا ينادونه فتوح.
كان يحدّث المساجين عن جده البعيد المغربي عبد الفتاح وأنه سمّي على اسمه، بينما صويلح وهو الجد القريب لم يأت على سيرته، فليس فيها ما يجلب المجد سوى أن إبرة لقاح الكوليرا لم تدخل في ذراعه لشدة عصبه وقساوة عضله.
جدّي المغربي جاء للحج، وفي طريق العودة قدّس حجّته في المسجد الأقصى، ورفض الرجوع إلى دياره واستقر في قرية وصارت له ذرية.
أعدمه العثمانيون بحد السيف بعد وشاية، وحين قطعوا رأسه وتدحرج على التراب، هجم كلب ليلتقطه فنهره الرأس المقطوع “إخص” فابتعد الكلب، وتأكد قائد الجندرمة أن هذا الرجل بريء من التهمة.
هكذا كان يبدأ عبد الفتاح سرده كلما التقى سجيناً جديداً.






